فهرس الكتاب

الصفحة 115 من 438

من تقوى لغته، ويتعالى تمكينه وجهارته بما تجشمه من مد الألف في هذا الموضع، دون أن يطغى به طبعه، ويتخطى به اعتماده ووطؤه، إلا أن يبدل من هذه الألف همزة، فيحملها الحركة التى كان كلفا بها، ومصانعا بطول المدة عنها فيقول: شأبة ودأبة: وسنأتى بنحو هذا في بابه، قال كثير:

«إذا ما العوالى بالعبيط احمأرت» ... إلخ .. [1]

فابن جنى يعتبر أن الهمز الواقع على الألف إنما هو مبالغة من بعض العرب في مطل الحرف، جريا على ما تعوده، من التعالى في تمكين الصوت وجهارته، وإن كان قد اعتبر الهمزة هى الحركة التى قبل الألف، وقد كان أقرب إلى الصواب لو أنه اكتفى بعلة التمكين والجهارة.

وبرغم هذا فإن تفسيره لأحوال مطل الحروف المصوتة يؤنسنا في ربط ظاهرة المد بظاهرة الهمز، وفى ربط ظاهرة الهمز بظاهرة النبر.

وعلى أية حال فقد كان ابن جنى مرحلة أدت إلى تاليتها، حيث أخذ المتأخرون في تصنيف الظواهر بمقياس الوجوب والجواز والشذوذ.

وقد نقدنا من قبل قواعدهم في الإبدال الواجب، ووجدنا هنالك أنها جميعا ترجع إلى ظاهرة النبر، الذى كان جاريا على لسان كثير من العرب، وسيلة للهروب من بعض الكراهات الثقيلة، وسنجد هنا أن بعض هذه الكراهات قد اعتاص على لسان بعض العرب، فهمز حيث كره، على حين أساغته ألسنة آخرين فأبقوا الكلمة على حالها دون همز، اكتفاء بصورة أخرى من النبر.

ويدل على أن بعض ما كره لدى بعض العرب كان مساغا لدى آخرين منهم، ما حكاه سيبويه من أن (من قال أميّىّ قال ة آيىّ ورايىّ بغير همزة) [2] ، وقد نقل فليش عن ابن يعيش تعليقا على هذه العبارة من سيبويه قوله: «ومن

(1) الخصائص 126/ 3.

(2) الكتاب 76/ 2.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت