فهرس الكتاب
كأنها لما سمعت رثأت اللبن ذهبت إلى أن مرثية الميت منها، قال: ويقولون: لبأت بالحج، وحلأت السويق، فيغلطون، لأن حلأت يقال في دفع العطشان عن الماء، ولبأت يذهب بها اللبا، وقالوا: استنشأت الريح، والصواب: استنشيت، ذهبوا به إلى قولهم: نشأ السحاب [1] .
ولعل من المفيد أن نرجع إلى ما سبق من حديث ابن جنى عن الهمز المرتجل، وهو ما ينطبق على هذه الأمثلة التى رفضها وغلطها، لنقول: إن وصف الهمز بأنه مرتجل هو في الحقيقة إشارة إلى وظيفة، لأن العربى الذى ارتجله إنما اختار له موقعا معينا، خضوعا لضرورة صوتية معينة، نرى نحن أنها النبر، على حين وقف القدماء أمامه مكتفين بالحكم بشذوذه، ولسوف نجد في أكثر المجموعات التى سبقت روايتها هذه الوظيفة جلية لا لبس معها:
فالمجموعة الأولى (ا) مثل (ولا الضألين) فسرها ابن جنى بأن الألف تحركت بحركة الساكن قبلها، فهمزت، وفسرها فليش بالهروب من المقطع المديد، لكراهة النطق بمصوت طويل في مقطع مقفل، ونفسرها نحن بما سبق أن قررناه من أن النبر في لسان قبائل البادية يأخذ صورة التوتر، على حين يأخذ صوة الطول في لسان غيرهم من الحضريين، وقد اتخذ التوتر صوة الهمزة نظرا لشدة ضغط الناطق على المقطع، برغم أنه لا مادة الكلمة، ولا أية صيغة من صيغها الاشتقاقية تحتوى همزة، الأمر الذى يؤكد أن رمز الهمزة هنا علامة نبر لا أكثر.
وكذلك نرى أن الهمزه في الأمثلة (ب) من نفس المجموعة لا يمكن تفسيره بغير النبر، الذى تعودته ألسنة بعض بنى أسد، وهم من قبائل وسط الجزيرة وشرقيها [2] ، ويلاحظ أن فليش لم يتعرض لمناقشة هذا النوع من الأمثلة، كما يلاحظ أن ابن جنى طبق عليها ملاحظته السابقة حين قال: وأما همزة «مؤسى» فصنعة تصريفية، وذلك أن الساكن إذا جاور المتحرك فكثيرا ما تقدر العرب أن تلك الحركة كأنها في الساكن، فكأن ضمة «موسى»
(1) اللسان 17/ 1
(2) فى اللهجات العربية/ 50