فأرادوا أن يكون العمل من وجه واحد، كما أنهم إذا أدغموا فإنما أرادوا أن يرفعوا ألسنتهم من موضع واحد» [1] .
وكأن سيبويه يقرر هنا أن البدو لا يحسنون إلا توافق الحركات، فإما أن ينطقوا: فعيل، وأما أن ينطقوا: فعيل، ولقد آثروا الأولى لعدم وجود الثانية في الفصحى، وكذلك آثروا فعل دون فعل، ولأنهم لا ينطقون فعل، لما فيه من المخالفة بين الحركات، وهو أمر لم تتعوده ألسنتهم، ثم نجده يضيف إلى ذلك أن الكسرة أقرب إلى الفتحة من الضمة، ونحن نرى أن علة هذه القرابة غامضة بعض الشئ، فالمحدثون يقررون أن الضمة والكسرة متقاربتان جدا؛ يقول العالم اللغوى فيلتشر: «إن الصوت (e ?) - أى الكسرة - يشبه شبها كبيرا الصوت (u ?) - أى الضمة - إذا ما تخلصنا من الموجات التى تزيد على ألف ذبذبة في الثانية، ولكن بما أن نسبة الشبه بينهما تزيد في هذه النقطة على تسعين في المائة فإن من الواضح أن بعض الصفات لا تزال موجودة في منطقة الذبذبات المنخفضة في الصوت (e ?) ، وهى التى تميزه عن الصوت « (u ?) [2] .
هذا التقارب بين الضمة والكسرة غير متحقق بين الفتحة والكسرة بنفس النسبة، وإنما كل ما في الأمر أن الكسرة أسهل في أدائها من الضمة، نظرا لانفراج الشفتين، في كلتا الفتحة والكسرة، واستدارتهما في الضمة، ولذا كانت الحركة المختارة بديلا عن الفتحة هى الكسرة لدى البدو، لسهولة أدائها أكثر من الضمة، وهذا هو مدى القرابة بين البدل والمبدل منه في هذا الباب.
وينتقل سيبويه بعد ذلك إلى كسر حرف المضارعة إذا كانت عين الفعل مكسورة في الماضى، فقال: ( «هذا باب ما تكسر فيه أوائل الأفعال المضارعة للأسماء كما كسرت ثانى الحرف حين قلت: فعل» وذلك في لغة جميع العرب إلا أهل الحجاز، وذلك قولهم: أنت تعلم ذاك، وأنا إعلم، وهى تعلم، ونحن
(1) الكتاب 225/ 2