قضيتها مناقشة جديدة تجلو جوانبها، من حيث الأصل، ومن حيث النتائج الواقعة على المفردات. لقد أثيرت هذه المشكلة في القديم بين أئمة لهم قدرهم في العربية وفقهها، وانقسموا بشأنها فرقتين:
ذهبت أولاهما إلى عدم وقوع الأعجمى في القرآن، لقوله تعالى 28/ 39:
«قرآنا عربيا» ، وقوله 44/ 41: «ولو جعلناه قرآنا أعجميا لقالوا لو لا فصلت آياته أاعجمى وعربى» ، ومن القائلين بهذا الرأى الإمام الشافعى، وابن جرير [1] ، وأبو عبيدة، والقاضى أبو بكر، وابن فارس [2] . وقد شدد الشافعى النكير على القائل بذلك [3] ، وكان عرضه لرأيه مفصلا فى (الرسالة) قال: «فقال منهم قائل: إن في القرآن عربيا وأعجميا، والقرآن يدل على أن ليس من كتاب اللّه شئ إلا بلسان العرب. ووجد قائل هذا القول من قبل ذلك منه، تقليدا له، وتركا للمسئلة عن حجته، ومسئلة غيره ممن خالفه، وبالتقليد أغفل من أغفل منهم، واللّه يغفر لنا ولهم. ولعل من قال: إن في القرآن غير لسان العرب، وقبل ذلك منه، تقليدا له ذهب إلى أن القرآن خاصا يجهل بعضه بعض العرب، ولسان العرب أوسع الألسنة مذهبا، وأكثرها ألفاظا، ولا نعلمه يحيط بجميع علمه إنسان غير نبى، ولكنه لا يذهب منه شئ على عامتها ...
إلى أن قال: فإن قال قائل: قد نجد من العجم من ينطق بشئ من لسان العرب؟ ..
فذلك يحتمل ما وصفت من تعلمه منهم، فإن لم يكن ممن تعلمه منهم فلا يوجد ينطق إلا بالقليل منه، ومن نطق بقليل منه فهو تبع للعرب فيه، ولا ننكر إذا كان اللفظ قبل تعلما، أو نطق به موضوعا أن يوافق لسان العجم، أو بعضها قليلا من لسان العرب، كما ياتفق القليل من السنة العجم، المتباينة في أكثر كلامها، مع تنائى ديارها، واختلاف ألسنتها، وبعد الأواصر بينها، وبين من وافقت بعض لسانه منها» [4] .
(1) يقصد الطبرى، ورأيه مفصل في مقدمة تفسيره 14/ 1 - 20.
(2) الإتقان 135/ 1
(3) السابق
(4) الرسالة للإمام الشافعى 41 - 48 وما بعدها، بتحقيق المغفور له الشيخ أحمد محمد شاكر، وهو في كتاب «الأم» بتفصيل أكثر، انظر ج1 ص 9 الطبعة الأولى 1321 ه.