و ما سقناه عن التهذيب، ومقاربة اللغة الرومية إياه في اللفظ لا يدل على أن العرب أخذوه عنهم، بل يحتمل انه منقول إليهم عن العرب [1] ».
وواضح أن الحجج التى لجأ إليها الشيخ شاكر كلها ظنية، يعرف صاحبها مدى صدقها، فهو يصدرها بأدوات الظن (لعلها، ويحتمل) ، إذ أن اليقين في هذه المشكلة لا يتاح إلا لعلماء المقارنات اللغوية، واعتماد الشيخ شاكر في وجهة نظره هذه إنما كان على المراجع القديمة، التى كتبت قبل أن تعرف الفصائل والمجموعات اللغوية.
والمذهب الثانى لجماعة من العلماء، يقولون بوقوع الأعجمى في القرآن، فهذه الألفاظ المقول بأعجميتها أعجمية فعلا، ولكن العرب صقلتها على مقاييس ألسنتها، وحولتها إلى أوزان خاصة بلغتها، فلما جاء القرآن استعمل هذه الألفاظ في صورتها العربية، أى بعد تعريبها. قال الإمام السيوطى: «وأقوى ما رأيته للوقوع، وهو اختيارى، ما أخرجه ابن جرير بسند صحيح عن أبى ميسرة التابعى الجليل قال: «فى القرآن من كل لسان» ، وروى مثله عن سعيد بن جبير، ووهب بن منبه [2] »، وقد صوب هذا الرأى أبو عبيد، فيما نقل عنه أبو حاتم الرازى، وضرب لذلك مثلا بأن «الطّور» في العربية: «طورا» في السريانية، وإن «اليمّ» في العربية: «يما» في السريانية، و «استبرق» في العربية: «استبره» في الفارسية، و «سجيل» في العربية: هو «سنگك گل» في الفارسية، ومعناه: حجارة الطين، فيما روى عكرمة. قال أبو عبيد:
«من أسماء الأنبياء في كتاب اللّه: إبراهيم وإسماعيل وموسى وعيسى، إنما هى بالعبرانية وبالسريانية أبروهم، اشموئيل، وميشا، وايشوا، فعربتها العرب [3] » وعلق المغفور له الدكتور حسين الهمدانى على ضبط هذه الأعلام في كلام أبى عبيد، فذكر أنها في العبرية: ابرم أو ابراهام ويشمعيل، ومشه، ويشوع [4] .
(1) المعرب 140
(2) الاتقان 136/ 1
(3) الزينة 139/ 1 و 140
(4) السابق