الحبشية (على رأى نولدكه [1] - هذا كله، وغيره من البحوث كثير، لم يتح لنا إلا بفضل علماء المقارنات السامية المحدثين، وهو ما لم تتبين خطوطه ومعالمه قبل النهضة العلمية الحديثة.
ولقد تأتى في أحاديث القدماء أحكام غير مفهومة حديثا، ومن ذلك أن السيوطى قد ذكر اسم لغة لا ندرى شيئا عن وجودها، وذلك حين يصف كلمة (غساق) ، قال: «قال الجواليقى والواسطى: هو البارد المنتن بلسان الترك، وأخرج ابن جرير عن عبد اللّه بن بريدة قال: الغساق المنتن، وهو بالطخارية [2] ، فما هذه اللغة الطخارية .. ؟ .. لم يشر إلى حقيقتها أو إلى تسميتها هذه التصنيف الحديث للغات الإنسانية المعروفة، وإن كان من الممكن أن تندرج في الفصيلة الطورانية [3] . إذ كانت لغة السكان في طخارستان، وهى إحدى بلاد التركستان، من حيث الموقع الجغرافى.
وليس يمنعنا تقديرنا لاجتهاد القدماء في هذا الميدان - من أن نسجل هنا عدم دقتهم أحيانا في إصدار أحكام بنسبة بعض الألفاظ إلى لغات معينة، وحسبنا أن ننقل هنا ما قاله الدكتور عبد المجيد عابدين في مناقشته لمشكلتنا هذه، قال:
«أورد السيوطى في الإتقان بابا ذكر فيه ما ورد في القرآن من الألفاظ بغير لغة العرب، ذكر منها قرابة ستة وعشرين لفظا، أرجعها إلى اللغة الحبشية، ولكن أكثرها لم يثبت اشتقاقه منها [4] ؛ ولا شك أن القدماء معذورون فيما وقعوا فيه، لعدم إلمام عصرهم باللغات المختلفة وفصائلها، وحركتها التاريخية، وبحسبنا أيضا أن نذكر ما قاله الأزهرى نقلا عن أبى العباس من: أن (الرحمن) عبرانى، و (الرحيم) عربى [5] ، على حين تنطق كلتاهما بالخاء المعجمة في العبرية والسريانية، وبالحاء المهملة في العربية الجنوبية [6] .
(1) الزينة 216/ 2 و 150 و 145
(2) الاتقان 139/ 1 وهى فيه بالحاء المهملة.
(3) انظر كتاب (علم اللغة) للدكتور وافى 179 وما بعدها. وطخارستان من نواحى خراسان، وأكبر مدنها طالقان - معجم البلدان لياقوت الحموى 31/ 6.
(4) بين الحبشة والعرب 99 وما بعدها
(5) اللسان 230/ 12.
(6) الزينة 26/ 2 - الأصل والهامش