ألا ترى ان وزن قولك: «أان زم» : فعولن، فالهمزة إذن مقابلة لعين فعولن، وهى متحركة كما ترى» [1] .
فالهمزة (البين بين) هى في رأى القدماء صوت ساكن، ولكنه ضعيف غير متمكن، وهى برغم هذا تقع موقع المحققة، وهى بزنتها، ويطلقون عليها أيضا: الهمزة المسهلة، والملينة، والمقصود دائما تخفيف نطقها [2] .
ولعلنا إذا عدنا إلى الوصف العلمى للهمزة ندرك أنها ليس لها سوى صورة واحدة فحسب، هى ما أطلق عليه المحدثون (الحبسة الحنجرية) ، فإذا اختل اداء هذه (الحبسة) فقدت الهمزة وجودها.
وقد قمنا في دراستنا للماجستير ببعض التجارب المعملية على جهاز (سبكترو جراف) أثبتنا بها هنالك أن (بين بين) ليس في الواقع سوى حركة [3] . ونضيف هنا أن (بين بين) يعنى في الواقع سقوط الهمزة أساسا، واتصال الحركتين قبلها وبعدها مباشرة، بحيث يتكون لدينا المزدوج بالمعنى الكامل، وفى هذه الصورة للمزدوج يضعف وجود الانزلاق الذى تنشأ عنه أنصاف الحركات (الواو والياء) ، من ثمّ نعده دليلا على أن الهمزة ليست في الغالب سوى وظيفة صوتية، يعمد إليها (المحققون) ، وهم الذين يريدون أن يؤكدوا نبرهم للمقطع المنبور، أما المخففون فلم يريدوا هذا التأكيد، واكتفوا بهذا المزدوج الذى يعنى تتابع حركتين، لهما من الطول أو التوتر ما يؤدى مهمة النبر، ويبرز وجود المقطع المنبور.
وهذا الذى نذهب إليه من نفى (همزة بين بين) نفيا علميا - سبق أن قرره أستاذنا الدكتور أنيس حيث قال: «أما التكييف الصوتى لهذه الحالة فليس من اليسير الجزم بوصفه وصفا علميا مؤكدا، وإذا صح النطق الذى سمعته من أفواه المعاصرين من القراء - تكون هذه الحالة عبارة عن سقوط الهمزة
(1) سر صناعة الإعراب 53/ 1 - 54، وقريب من ذلك في الخصائص 144/ 2.
(2) توجد إشارة إلى ذلك في كتاب جان كانتينو: Etudes de Linguistique arabe ص 77.
(3) الأصوات في قراءة أبى عمرو ص 148.