فهرس الكتاب
قال تعالى: {وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ} بالنصب ولو رجعنا إلى السياق لوضح السبب، وإليك السياق: {وَلَقَدْ جَعَلْنَا فِي السَّمَاءِ بُرُوجًا وَزَيَّنَّاهَا لِلنَّاظِرِينَ (16) وَحَفِظْنَاهَا مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ (17) إِلَّا مَنِ اسْتَرَقَ السَّمْعَ فَأَتْبَعَهُ شِهَابٌ مُبِينٌ (18) وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَأَلْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأَنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْزُونٍ (19) وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ وَمَنْ لَسْتُمْ لَهُ بِرَازِقِينَ (20) } [الحج: 16 - 20] .
فالكلام إنما هو على الله الذي جعل في السماء بروجا وزينها، ومد الأرض وألقى فيها رواسي وأنبت فيها من كل شيء، وجعل فيها المعايش.
فالكلام - كما ترى - على الله تعالى لا على الأرض ولكن قدم الأرض للاهتمام بها من بين ما ذكر، والحديث عنها من بين ما عدد فقال (والأرض مددناها .. إلخ) فإنه وإن كان الكلام في الأصل يدور على الله تعالى، وقدرته، خص الأرض بالاهتمام فقدمها، والكلام فيها قبل وبعد على الله تعالى، ولو رفع (الأرض) لكان الحديث يدور عنها والإسناد إليها والسياق غير ذلك.
وإليك مثالا آخر يوضح ذلك، قوله تعالى {والجان خلقناه من قبل من نار السموم} [الحجر: 27] ، بالنصب فلم يرفع؟ إن السياق يوضح ذلك.
إن الكلام على الله تعالى وهو في سياق الآيات التي سردناها آنفا، قال تعالى:
{وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (26) وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (27) وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (28) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (29) فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (30) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (31) قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا لَكَ أَلَّا تَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ (32) قَالَ لَمْ أَكُنْ لِأَسْجُدَ لِبَشَرٍ خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (33) قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ (34) وَإِنَّ عَلَيْكَ اللَّعْنَةَ إِلَى يَوْمِ الدِّينِ (35) قَالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (36) قَالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (37) إِلَى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ (38) قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40) قَالَ هَذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42) } [الحجر: 26 - 42] .
فالكلام على الله تعالى وخلقه، لكنه أراد أن يفرد الجان بحديث، فقدمه وأعاد عليه الضمير للكلام عليه، وقد تقول: ولم لم يقدم الإنسان، وقد ذكر الإنسان أيضا؟ والجواب أنه وإن ذكر الإنسان فإن مدار الحديث في هذه الآيات عن الجن فالكلام على إبليس ومجادلته ربه.
فأنت ترى أنه قدم الأرض في الآيات الأول، لأن الحديث عليها أهم، وقدم الجان لأن القصد يتعلق بذكرهم.
وإليك مثالا آخر، قال تعالى: {والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون} [النحل: 5] ، فإنه نصب (الأنعام) ول يرفعها، والسياق يوضح سبب ذلك قال تعالى: {خلق السماوات والأرض بالحق تعالى عما يشركون خلق الإنسان من نطفة فإذا هو خصيم مبين. والأنعام خلقها لكم فيها دفء ومنافع ومنها تأكلون، ولكم فيها جمال حين تريحون وحين تسرحون، وتحمل أثقالكم إلى بلد لم تكونوا بالغيه إلا بشق الأنفس إن ربكم لرءوف رحيم. والخيل والبغال والحمير لتركبوها وزينة ويخلق ما لا تعلمون} [النحل: 3 - 8] ، فأنت ترى أن الكلام على الله تعالى، ولكنه قدم الانعام للاهتمام بها، والحديث عنها من بين ما ذكر، فقد ذكر خلقه السماوات والأرض والإنسان، والأنعام، والخيل، والبغال، والحمير، ولكن أكثر الحديث في هذه الآيات عن الأنعام، فقدمها للحديث عنها والاهتام بها في هذا المجال.