فهرس الكتاب

الصفحة 50 من 471

والحق أنه ورد في اللغة الإخبار بالذات عن المصدر، وبالمصدر عن الذات لقصد التجوز والمبالغة، فمن الأول ما ذكرناه في قوله: {ولكن البر من اتقي} ونحوه، والقصد منه تجسيد المعاني وتحويلها إلى شخوص حية متحركة تراها العيون، فقوله تعالى {ولكن البر من آمن بالله} يفيد أن البر إذا تجسد كان شخصا مؤمنا بالله واليوم الآخر، فهو بذلك جعل البر شخصا يمشي على رجلين له سماته وصفاته.

ومن الثاني أعني الإخبار بالمصدر عن الذات قوله تعالى: {إنه عمل غير صالح} [هود: 46] ، فقد أخبر عن ابن نوح بقوله (عمل غير صالح) ، والقصد منه تحويل الذات إلى حدث بعكس القسم الأول، والمعنى في الآية أن ابنك يا نوح تحول إلى عمل غير صالح ولم يبق فيه شيء من عنصر الذات.

وهذا التحويل والتجوز لا يؤديه التقدير، فإنك إذا قدرت كما قدر النحاة (إنه ذو عمل غير صالح) أو (ذا البر من آمن) لم يبق فيه شيء من هذا المعنى، فلا داعي لتقدير مضاف أو نحوه، فإن لكل تعبير دلالته ومعناه.

ومن هذا الباب قوله تعالى: {وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم} [البقرة: 93] ، أي حب العجل [1] . لأن العجل لا يشرب في القلوب.

وهو نظير ما مر من إرادة التجوز، والمعنى أن قلوبهم كانما أشربت عجل الذهب حقيقة فكان في تكوينها وتركيبها، ولا يؤدي هذا المعنى تقدير كلمة (حب) .

ومنه قولهم (بنو فلان يطؤهم الطريق) وهو مجاز عقلي، والمعنى يطؤهم أهل الطريق ولكنه أسند الوطء إلى الطريق تجوزرا.

جاء في (الكتاب) : ومما جاء على اتساع الكلام والاختصار قوله تعالى: {وسئل القرية التي كنا فيها والعير التي أقبلنا فيها} [يوسف: 82] ، إنما يريد أهل القرية فاختصر وعمل الفعل في القرية.

(1) شرح ابن عقيل 2/ 17

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت