فهرس الكتاب

الصفحة 75 من 471

(هَاأَنْتُمْ أُولَاءِ تُحِبُّونَهُمْ وَلَا يُحِبُّونَكُمْ وَتُؤْمِنُونَ بِالْكِتَابِ كُلِّهِ وَإِذَا لَقُوكُمْ قَالُوا آمَنَّا وَإِذَا خَلَوْا عَضُّوا عَلَيْكُمُ الْأَنَامِلَ مِنَ الْغَيْظِ قُلْ مُوتُوا بِغَيْظِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ(119)

وقد يقال"ها أنت ذا تعنيه ولا يعنيك"تخبره عن نفسه بحقيقة ربما كانت خافية عليه فتنبه عليها وتحذره أمره كما قال تعالى: {هأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} [آل عمران: 119] .

وأما موقع التنبيه ابتداء أو أخيرًا فله دلالته أيضا، فإن التنبيه يقدم أو يؤخر ويكرر بحسب الحاجة إليه، وقد يحذف إذا لم يكن له داع، فتقول (ها أنت ذا) مقدما التنبيه وتؤخره قائلا (أنت هذا) ، والتنبيه في الخطاب الأول أهم، والقائل به أعني، تقول: (ها هو ذا) إذا أردت أن تنبه السامعين على المشار إليه قال تعالى {هاأنتم أولاء تحبونهم ولا يحبونكم} .

فقدم التنبيه لأنه تحذير لعباده المؤمنين على ما هم فيه، وأنهم ينبغي لهم أن يحذروا وينتبهوا.

وقال: {ثم أنتم هؤلاء تقتلون أنفسكم} فأخر التنبيه لأنه أراد أن يحضر أنفسهم أمام أعينهم هم ليشهدوا أعمالهم وصفاتهم، أي أنتم هؤلاء المشاهدون الحاضرون، بصورتكم الواضحة البينة التي لا تخفي، فهو لم يرد تخذيرهم من أمر كما كان في الآية الأولى. فالتنبيه في الأولى لتنبيه المؤمنين ولفت انتباهم إلى أمر قد يكونون غافلين عنه وأما الثانية فلإحضار صورتهم أمام أعينهم ليشاهدوها.

وقد يتكرر التنبيه إذا استدعى الأمر زيادة التنبيه فيقال: ها أنت هذا تفعل كذا، وكذا إذا أنكرت عليه أنكارا شديدا ما لا يليق به، أو أردت الزيادة في تنبيه على أمر من الأمور وعند النحاة، إن ها التنبيه في نحو إنما كرر توكيدًا. [1]

ومن ذلك قوله تعالى: {ياأهل الكتاب لم تحاجون في إبراهيم وما أنزلت التوراة والإنجيل إلا من بعده أفلا تعقلون ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم، والله يعلم وأنت لا تعلمون} [آل عمران: 65 - 66] .

فأنت ترى أن يقرعهم ويزيد في تنبيههم ولومهم لأنهم جادلوا بالباطل وهم يعلمون، فكرر التنبيه مرة قبل الضمير ومرة قبل اسم الإشارة فقال: {هأنتم هؤلاء حاججتم} .

ونحوه قوله تعالى: {ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم إن الله لا يحب من كان خوانا أثيما يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله وهو معهم إذ يبيتون ما لا يرضى من القول وكان الله بما يعملون محيطًا هأنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة أم من يقول عليهم وكيلا} [النساء: 107 - 109] ، فكرر تنبيههم ولومهم ليتعظوا فلا يقفوا مثل هذا الموقف، وأنت ترى أن الموقف يتطلب الزيادة في تنبههم ووعظهم بخلاف قوله تعالى: {هأنتم أولاء تحبونهم} فإن الموقف لا يحتاج إلى زيادة في التنبيه واللوم فإنه خطاب للمؤمنين قال تعالى: {مثل ما ينفقون في هذه الحياة الدنيا كمثل ريح فيها صر أصابت حرث قوم ظلموا أنفسهم فأهلكته وما ظلمهم الله ولكن أنفسهم يظلمون يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالا ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر قد بينا لكم الآيات إن كنتم تعقلون} [آل عمران: 117 - 118] ، فأنت أن الموقف مختلف عما في الآيتين السابقتين وهو ليس موقف تقريع ولوم كما كان.

وقد لا يحتاج الموقف إلى التنبيه فلا يذكره وذلك نحو قوله تعالى على لسان موسى عليه السلام مخاطبا ربه: {وما أعجلك عن قومك يا موسى قال هم أولاء على اثري وعجلت إليك ربي لترضى} [طه: 83 - 84] ، فلم يأت بالتنبيه لأنهم غير مشاهدين.

فأنت ترى أن التنبيه يؤتى به في المكان المناسب بالقدر الذي يحتاج إليه، فقد يقدم او يؤخر، او يكرر، أو لا يذكر ألبتة، بحسب الحاجة إلى ذلك.

(1) انظر الهمع 1/ 76، البحر المحيط 2/ 486، قوله تعالى: (ها أنتم هؤلاء)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت