وقد يتقدم المفعول الثاني على الأول لغرض بلاغي يقتضيه المقام، نحو (منح سعيدا أرضا خالدا) إذا كان الاهتمام منصبا على الأرض لا على الأخذ، ونحوه قوله تعالى {وأورثنا بني إسرائيل الكتاب} [غافر: 53] .
وقوله: {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [فاطر: 32] ، ففي الآية الأولى قدم بني (إسرائيل) وهو المفعول الأول على (الكتاب) وفي آية فاطر قدم الكتاب على الذين اصطفينا من عبادنا، ولذلك سبب واضح يتبين من سياق الآيتين، ففي آية فاطر الكلام جار على الكتاب، ولذلك قدمه قال تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَتْلُونَ كِتَابَ اللَّهِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرًّا وَعَلَانِيَةً يَرْجُونَ تِجَارَةً لَنْ تَبُورَ (29) } [فاطر: 29] .
{وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ هُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ إِنَّ اللَّهَ بِعِبَادِهِ لَخَبِيرٌ بَصِيرٌ (31) } [فاطر: 31] {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ (32) } {فاطر: 32} . فناسب تقديم الكتاب.
أما في سورة غافر فالكلام على حملة الكتاب، فلذلك قدمهم قال تعالى {قالوا أولم تك تأتيكم رسلكم بالبينات قالوا بلى قالوا فادعوا وما دعاء الكافرين إلا في ضلال} [غافر: 50] ، {إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد} [غافر: 51] ، {ولقد آتينا موسى الهدى وأورثنا بني إسرائيل الكتاب} [غافر: 53] ، فناسب كما ترى ان يتقدم الحملة على الكتاب بخلاف الآية الأولى كما هو واضح.