فهرس الكتاب
(وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ(23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ (24)
وإن أردت أن تزداد تبيينها لهذا الأصل - أعني وجوب أن تسقط المفعول لتتوفر العناية على إثبات الفعل لفاعله، ولا يدخله شوب، فانظر إلى قوله تعالى: {وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ (23) فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ} [القصص: 23 - 24] .
ففيها حذف مفعول في أربعة مواضع، إذ المعنى وجد عليه أمة الناس يسقون أغنامهم أو مواشيهم، وامرأتين تذودان غنمهما وقالتا لا نسقي غنمنا فسقي لهما غنهما. ثم أنه لا يخفي على ذي بصر أنه ليس في ذلك كله إلا أن يترك ذكره ويؤتى بالفعل مطلقا، وما ذاك إلا أن الغرض في أن يعلم أنه كان من الناس في تلك الحال سقي، ومن المرأتين ذود. وأنهما قالتها: لا يكون منا سقي حتى يصدر الرعاء، وأنه كان من موسى عليه السلام من بعد ذلك سقي. فأما ما كان المسقي أغنما أم أبلا غير ذلك، فخارج عن الغرض، موهم خلافه. وذاك أنه لو قيل: وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما، ولم ينكر الذود من حيث هو ذود، بل من حيث هو منع غنم، حتى لو كان مكان الغنم ابل، لم ينكر الذود، كما إنك إذا قلت: مالك تمنع أخاك.؟ كنت منكرا المنع، لا من حيث هو منع، بل من حيث هو منع أخ" [1] ."
(1) دلائل الإعجاز 124 - 125