ثالثًا: من أقوال علماء الشافعية
1 -قال عبد الله بن عمر أبو سعيد البيضاوي (ت 685) في تفسيره (2/ 334) : " (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) أي: ومن والاهم منكم فإنه من جملتهم، وهذا التشديد في وجوب مجانبتهم كما قال صلى الله عليه وسلم: "لا تتراءى ناراهما"، أو لأن الموالي لهم كانوا منافقين، (إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) أي: الذين ظلموا أنفسهم بموالاة الكفار، أو المؤمنين بموالاة أعدائهم".
2 -وقال الحافظ ابن كثير (ت 774) في (تفسيره 1/ 358) : "نهى تبارك وتعالى عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين وأن يتخذوهم أولياء يسرون إليهم بالمودة من دون المؤمنين، ثم توعد على ذلك فقال (وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْء) (آل عمران: من الآية28) أي: ومن يرتكب نهي الله في هذا فقد برئ من الله".
3 -وقال الحافظ ابن حجر (ت 852) في (الفتح 13/ 61) في شرح حديث ابن عمر مرفوعًا (إذا أنزل الله بقومٍ عذابًا أصاب العذاب من كان فيهم ثم بعثوا على أعمالهم) : "ويستفاد من هذا مشروعية الهرب من الكفار ومن الظلمة; لأن الإقامة معهم من إلقاء النفس إلى التهلكة، هذا إذا لم يُعِنْهم ولم يرض بأفعالهم; فان أعان أو رضي فهو منهم".
4 -وسئل الشيخ عبد الله بن عبد الباري الأهدل اليماني (ت 1271هـ) : س: قوم في بلاد الإسلام من المسلمين يدعون أنهم من رعية النصارى، ويرضون بذلك، ويفرحون به، فما تقولون في إيمانهم، ومن الجملة أنهم يتخذون لسفنهم بيارق، وهي تسمىلرايات، مثل رايات النصارى، إعلامًا منهم بأنهم من رعيتهم.
فمما جاء في الجواب: "إن كان القوم المذكورون جهالًا، يعتقدون رفعة دين الإسلام، وعلوه على جميع الأديان، وأن أحكامه أقوم الأحكام، وليس في قلوبهم مع ذلك تعظيم الكفر وأربابه، فهم باقون على أحكام الإسلام، لكنهم فساق مرتكبون لخطب كبير، يجب تعزيرهم عليه، وتأديبهم وتنكيلهم. وإن كانوا علماء بأحكام الإسلام، ومع ذلك صدر عنهم ماذكر فيستتابون، فإن رجعوا عن ذلك، وتابوا إلى الله - تعالى ـ، وإلا فهم مارقون، فإن اعتقدوا تعظيم الكفر ارتدوا، وجرى عليهم أحكام المرتدين.
وظاهر الآيات والأحاديث عدم إيمان المذكورين، قال تعالى: (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ .. الآية) ، فالآية تقتضي أن الناس قسمان: الذين آمنوا وليهم الله تعالى، أي لا غيره، فليس لهم مولى دون الله ورسوله، (الله مولانا، ولا مولى لكم) ، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت، فلا واسطة، فمن اتخذ الطاغوت وليًا من دون الله، فقد خسر خسرانًا مبينًا، وارتكب خطبًا جسيمًا، فليس إلا ولي الله وولي الطاغوت، فلا شركة بوجه من الوجوه ألبتة، كما تقتضيه الآية. وقال تعالى: (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ، وقد حكم الله ألا نتولى الكفار بوجه قط، فمن خالف لما يحكم، فأنى يكون له إيمانٌ، وقد نفى الله إيمانه، وأكد النهي بأبلغ الوجوه والإقسام على ذلك فاستفده". (السيف البتار، على من يوالي الكفار، ويتخذهم من دون الله ورسوله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين أنصار) .