] الإجابة للشيخ عبد الله بن ناصر الرشيد - حفظه الله ونفع بعلمه - نقلًا من مجلة صوت الجهاد - وفق الله القائمين عليها - العدد السادس عشر [
أخرج مسلم في صحيحه من حديث أبي عبد الرحمن الحُبُلي عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "يُغفر للشهيد كل ذنبٍ إلا الدين"، وأخرجه من حديث أبي قتادة وهو مما انتُقد عليه؛ اختلف فيه على عبد الله بن أبي قتادة فرواه المقبري عنه عن أبيه وهو غلط، ورواه بكير بن عبد الله بن الأشج عنه عن رجل من أهل نجران عن عبد الله بن عمرو وهو الصواب، ورواه ابن عجلان عن المقبري عن أبي هريرة وعن محمد بن قيس عن عبد الله بن أبي قتادة عن أبيه وقد غلط ابن عجلان في كليهما، أما رواية المقبري فالصواب فيها ما تقدَّم، وأما رواية محمد بن قيس فصوابها عن ابن أبي قتادة مرسلًا، وروي من حديث عياض بن عبد الله بن أبي سرح عن أبي هريرة في المسند وفيه نظر، وفي الباب حديث أبي أمامة وهو ضعيفٌ، وحديث سهل بن حنيف في معجم الطبراني الكبير وهو ضعيف، وحديث أنس وهو غلط كما حكى الترمذي عن البخاري، وحديث محمد بن جحش عند النسائي وغيره وفيه بعض النظر، ولا يصحُّ في الباب إلا حديث عبد الله بن عمرو بن العاص من رواية أبي عبد الرحمن الحُبُلي الذي قدَّمناه والله أعلم.
والحديث لم يتناول بمنطوقه حكم الخروج إلى الجهاد لمن عليه دين، ولهذا قال الشوكاني في نيل الأوطار: "وذلك لا يستلزم عدم جواز الخروج إلى الجهاد إلا بإذن من له الدين، بل إن أحب المجاهد أن يكون جهاده سببًا لمغفرة كل ذنب استأذن صاحب الدين في الخروج، وإن رضي بأن يبقى عليه ذنب واحد منها جاز له الخروج بدون استئذان".
وما ذهب إليه الشوكاني ضعيف، والصواب ما ذهب إليه جماهير الفقهاء استنباطًا من هذا الحديث، وبقاء ذنب الدَّين دون الذنوب العظيمة إنَّما كان لما فيه من حقِّ الآدميِّ، وحقُّ الآدميِّ الواجب لا يُقدَّم عليه ما ليس بفرضٍ من الجهاد ولا من غيره، وتقديم أثر الدينِ من الإثم الذي لا يُغفر بالشهادة على أثر الجهاد من مغفرة سائر الذنوب دليلٌ على تقديم هذا الواجب على هذا الواجب، وإذا حُمل الحديث على الجهاد الذي لم يتعيَّن كما يأتي ازداد الحكم ظهورًا إذ لا يُمكن تقديم ما ليس بواجب على الواجب القطعيِّ.
وليس في الشريعة أن يحبَّ الرجل أن يبقى عليه ذنبٌ واحدٌ يقدم على الله به، بل إنَّما يُتجاوز عن الذنوب الماضية بالتوبة والاستغفار أمَّا الإصرار على الذنب وتفويتُ حق المسلم وكون ذلك في سبيل قربةٍ إلى الله، فهذا لا يكون في دين الله.
ووجه قول الجماهير بوجوب استئذان صاحب الدين القاعدة المتفق عليها: ما تولَّد عن المأذون غير مضمونٍ، فالأصل ما في الحديث من بقاء الإثم على المدين، ويُستثنى منه ما إذا أذن الغريم لأنَّ الحقَّ له، فإذا نتج عن جهاده استشهاده بعد الإذن لم يكن عليه شيءٌ من جهة خروجه للجهاد مع وجود الدين، وإن كانت المطالبة بالدين باقيةً دون الإثم لترتّب الإثم على التفريط، والتفريط منتفٍ بإذن الغريم.
والدَّينُ الذي يجبُ فيه الاستئذان إنَّما هو الدين الحالُّ على الغنيِّ القادر على الأداء: أمَّا الدين المؤجَّل الذي لم يحلَّ أجله فلا تتوجَّه المطالبةُ به قبل الأجل، والإذن إنَّما هو فرعٌ على المطالبة، وهذا هو الصحيح من قولي أهل العلم، وأمَّا المُعسر فإنَّما حقُّه الإنظار كما قال تعالى: (وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ) فهو كالدين المؤجَّل الذي لم يحلَّ أجله، وبهذا أفتى النووي وابن تيمية.