فهرس الكتاب

الصفحة 406 من 743

] الإجابة للشيخ عبد الله بن ناصر الرشيد - حفظه الله ونفع بعلمه - نقلًا من مجلة صوت الجهاد - وفق الله القائمين عليها - العدد السابع عشر [

أخرج البخاري ومسلم من حديث عبد الله بن عمروٍ رضي الله تعالى عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنَّ رجلًا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يستأذنه في الجهاد فقال: "أحيٌّ والداك؟ " قال نعم، قال: "ففيهما فجاهد".

والحديثُ ظاهرٌ في تقديم برِّ الوالدين على الجهاد، ومقتضى هذا استئذانُهما على الأصل الَّذي تقدَّم في استئذان الغريم، وقد جاء الأمر باستئذانهما صريحًا فيما أخرجه أحمد في المسند وأبو داود في السنن من حديث دراج أبي السمح عن أبي الهيثم عن أبي سعيدٍ، وهو إسنادٌ ضعيفٌ.

ومحلُّ ذلك ما عدا فرضَ العينِ من الجهاد، فيجب استئذانُهُما في فرض الكفاية من الجهاد، ويسقطُ إذنُهُما في فرضِ العينِ، سواءٌ كانَ بحضور العدوِّ أو باستنفار الإمام، وقد يُخرَّج على قول شيخ الإسلام بتقديم إذن الغريم على استنفار الإمام قولٌ هنا، على أنَّ حقَّ الوالدين من جنس حقِّ الإمام، بخلاف حقِّ الغريم.

وأمَّا في فرض العين فقد ذهب جماهيرُ أهل العلم إلى سقوطِ إذن الوالدين، واستدلَّ جماعةٌ لذلك بما أخرج ابن حبان في صحيحه عن عمر بن محمد بن بجير قال حدثنا أبو الطاهر بن السرح حدثنا ابن وهب أخبرني حيي بن عبد الله عن أبي عبد الرحمن الحبلي عن عبد الله بن عمرو أن رجلًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فسأله عن أفضل الأعمال، فذكر الحديث حتى ذكر الجهاد، فقال الرجل: فإنَّ لي والدين. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "آمرك بوالديك خيرًا" فقال: والذي بعثك نبيا لأجاهدن ولأتركنهما، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "فأنت أعلم".

وهذا الإسناد ضعيفٌ، تفرّد به حيي بن عبد الله المعافري الحُبُلي قال عبد الله بن أحمد بن حنبل عن أبيه: أحاديثه مناكير، وقال البخاري: فيه نظر، والبخاريُّ لا يقول فيه نظرٌ إلا في شديد الضعف، وقد قوَّى أمره بعض المحدّثين، إلاَّ أنَّ تفرّده بمثل هذا المنكر لا يُحتمل.

ولو سُلِّم بصحَّته فهو لا يُفيد ما استدلُّوا به عليه، فإنَّ الاستدلال قائمٌ على أنَّ الجهاد في الحديث فرض عينٍ، وأنَّ إذن الوالدين سقطَ في تلك الصورة لتعيُّن الجهاد، وهذا لا يستقيم لأمور:

الأول: أنَّ الرجل في الحديث يسأل عن أفضل الأعمالِ، والسؤال عن الأفضل لا يُناسب الأمر المتعيِّن لأنَّه لا خيرة فيه.

الثاني: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم أمره بوالديه خيرًا أول الأمر، ولا يُمكن أن يأمره بترك الجهاد المتعيِّن، ولو كان الحديث على ما ذهبوا إليه من سقوط إذن الوالدين عند تعيُّن الجهاد لكان النبي صلى الله عليه وسلم أحرى بأن يأمره بذلك، من أن يأمره ببرِّ والديه وترك الجهاد المتعيِّن.

الثالث: أن الرجل لما أمره النبي صلى الله عليه وسلم بوالديه خيرًا، أقسم أن يتركهما، وهذا دليلٌ على أنَّه لم يفهم كلام النبي صلى الله عليه وسلم أمرًا، وإنَّما فهمه رأيًا رآه له، وهذا إنَّما يكون فيما يُخيّر في أخذه وتركه، وهو شأن الجهاد الذي لم يتعيَّن.

الرابع: أنَّ النبي صلى الله عليه وسلم قال له أنتَ أعلم، وإذا كان الرجل أعلمَ من النبي صلى الله عليه وسلم فلا ريب أنَّه أعلم بحال والديه لا بحال الجهاد وكونه فرض عينٍ وفرض كفايةٍ، أو بحكم استئذان الوالدين في هذين الحالَين، وذلك للعلم بأن النبي صلى الله عليه وسلم أعلم بالحكم وبالحال فيما يعمُّ الأُمَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت