فهرس الكتاب

الصفحة 395 من 743

هل يُغسَّلُ الشهيدُ "سلطانُ القحطانيّ"؟

] الإجابة للشيخ عبد الله بن ناصر الرشيد - حفظه الله ونفع بعلمه - منقولة من مجلة صوت الجهاد - وفق الله القائمين عليها - العدد الثاني [

قُتل الشهيد سلطان القحطاني في جازان على أيدي جنود الطواغيت، نسأل الله أن يتقبَّله في الشهداء.

تقدَّمَ التفصيلُ في أحكام الشهيد الدنيويَّة والأخرويَّة، وبقي التنبيهُ على مسألةٍ: وهي أنَّ الشهيد الذي يحكم له بأحكام الشهادةِ الدنيويَّة: هو شهيدُ المعركةِ ممن يُقتل في سبيل الله في ظاهرِ حالِهِ عندنا، ومثلُهُ على الصحيح القتيل على أيدي الكُفَّار والبُغاةِ كمن قال كلمة الحق عند سلطانٍ جائرٍ، فلا يدخل فيه سائر الشهداء الذين ينالون الشهادة في الثوابِ، أي في الحكم الأخرويّ وحده: كالنفساءِ، والغريقِ والحريقِ والمطعونِ والمبطونِ.

وهذا محلُّ إجماعٍ في الجُملة، وقد ثبتَ عن النبي صلى الله عليه وسلم الصلاة على النفساء، وبوب البخاري في كتاب الجنائز من صحيحه: باب الصلاة على النفساءِ إذا ماتت في نُفاسها.

وسنعرِضُ هنا لبعضِ الأحكامِ الدنيويَّة للشهيدِ: وأوَّلُها غسلُه.

وقد مضت سُنَّةُ النبي صلى الله عليه وسلم، وأصحابه، فمن بعدهم إلى هذا اليومِ، أنَّ الشهيد لا يُغسَّل، ولا يكفَّن، ولا يُصلَّى عليهِ.

وصحَّ عنه صلَّى اللهُ عليه وسلَّم وعن صحابتِهِ والسلف الصالحين في قصصٍ كثيرةٍ، ووقائعَ متعدِّدةٍ دفنُ الشُّهداءِ دون غسلٍ ولا تكفينٍ ولا صلاةٍ عليهِم، وتواتَر ذلك عنهُم.

وفي الصحيحين من حديث جابر بن عبد الله في شهداءِ أحد أن النبي صلى الله عليه وسلم: أمر بدفنهم بدمائهم ولم يصلَّ عليهم ولم يغسلوا، ووالد جابرٍ عبدُ الله من شهداءِ أحدٍ.

وقد اتفق الأربعةُ، وجماهير الفقهاءِ: أنَّ الشَّهيدَ لا يُغسَّلُ، وخالف الحسن وابن المسيّب فجعلا الغسل للشهيد كالميّت في غير شهادةٍ.

وفصَّل بعضُ الشافعيَّة في غير المشهور من المذهب: فأوجبوا تغسيلَ الجنبِ والحائضِ، للجنابةِ لا للموتِ.

واستدلُّوا بحديثِ حنظلةَ بن عامرٍ الغسيلِ رضي الله عنه، وغسيل الملائكةِ لهُ لجنابتِهِ، وذكر الحافظ في الفتحِ جوابًا على هذا: أنَّه لو كان واجبًا لما اكتفى بغسل الملائكةِ لهُ، وهذا مبنيٌّ على أنَّنا مأمورون بالواجبِ، فلا يسقطُ حتَّى نفعله، وعلى أنَّ غسيل الملائكةِ لا يُجزئُ، كما لو مرَّ عليه الماء بلا نيَّة، لأنَّ الملائكة غير متعبَّدين بشريعتنا.

وهذا الجواب غير مستقيمٍ، فإنَّ وجوبَ الغسلِ متعلّقٌ بالميّت لا بآحاد الناس، كما هو الشَّأن في فروض الكفايات، وغسل الملائكة يكفي ولا ريب، لصحَّة النيَّةِ لهم والإرادةِ لهم، ولولا ذلك ما استحقُّوا الحمد على طاعتهم لله، ولا يطعنُ في صحَّة النيَّات والعبادات منهم كونُهُم غير ملتزمين شريعةً من شرائع أنبياء البشر، فإنَّ العبادة تجب عليهم بأمر الله، وما كانوا ليغسلوا حنظلة إلا بأمر الله (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ) (وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلَّا بِأَمْرِ رَبِّكَ لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذَلِكَ) ، فصحَّ أنَّ غسلهم كان بأمرٍ من الله، وأنَّه كان امتثالًا منهم، وأنَّ النيَّة موجودة في فعلهم.

والجوابُ أن يُقال: إنَّه لو كان يجبُ غسل الشهيد الجنبِ، لبيّنه النبي صلى الله عليه وسلم في موضعه إذ ذلك موضعُ الحاجةِ، ولوجبَ أن يتبيّن أمرَ كلِّ شهيدٍ، وهذا ما لم يفعله صلى الله عليه وسلم لا قبلَ مقتل حنظلةَ ولا بعدَه، ولا فعله أحدٌ من الصحابة أو التابعين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت