] الإجابة من حلقات (ثوابت على درب الجهاد) للشيخ يوسف العييري - رحمه الله وتقبله في الشهداء، نشر موقع مركز الدراسات والبحوث الإسلامية [
الثابت الرابع الجهاد ليس معلقًا بمعركة
ومن الآفات التي تنخر في عقيدة كثير من الناس تجاه الجهاد هو تعليق شعيرة الجهاد بمعركة، فإن انتصرنا في تلك المعركة فهذا يدل على صحة ذلك المبدأ والمقدمة، وإن هزمنا فهذا يدل على بطلان المقدمة والمبدأ، وهذا الاعتقاد باطل شرعًا وعقلًا، وهو ناتج عن الانهزامية، وقلة الإيمان وعدم الصبر والمصابرة.
أما بطلانه عقلًا: فلا ترابط من الناحية المنطقية والعقلية بين المقدمة والنتيجة، ففشل النتائج لا يدل أبدًا على بطلان المقدمة أو خطأها.
أما شرعًا: فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما جاء في الصحيحين قال (عرضت علي الأمم فجعل النبي والنبيان يمرون معهم الرهط والنبي ليس معه أحد) فالنبي الذي جاء وليس معه أحد، جاء بغير نتيجة لدعوته، فلا يدل عدم إسلام أحد معه على بطلان دعوته أو الخطأ - تعالى الله عن ذلك - في إرساله في الوقت والمكان المناسب، هذا لا يعتقده إلا زنديق.
ولنا في التاريخ معارك كانت الهزيمة فيها يتصور معها المسلم أنها لن تقوم للإسلام بعدها قائمة، ومن أشد تلك المعارك التي هزم الإسلام والمسلمون فيها معارك التتار في بداية عام 656هـ عندما اجتاحوا بلاد العراق والشام، فقتلوا في العراق في أربعين يومًا أكثر من مليون نسمة، أي بمعدل 25 ألف نسمة يوميًا، وزاد فسادهم واجتاحوا بلاد الإسلام وانتصروا في كل معركة خاضوها ضد المسلمين، ولما محص الله المسلمين وتضرعوا إليه التقى التتار مع المسلمين في معركة عين جالوت وهزموا شر هزيمة، رغم أنهم انتصروا في معارك سابقة وأصبحوا أقوى مما سبق والمسلمون أضعف بكثير مما كانوا عليه في بغداد قبل دخول التتار عليهم، والحال نفسه عندما اجتاح القرامطة بلاد العراق والحجاز في بداية القرن الثالث الهجري، وقبل ذلك كان الحال في أحد فإن المسلمين هزموا في أحد أمام الكفار، ثم أصابهم البأساء والضراء وزلزلوا في معركة الأحزاب التي بعدها، إلا أنهم انتصروا بعد حين في المعارك التي تلت الأحزاب وأعظمها فتح مكة.
فتعليق شعيرة الجهاد بمعركة هو من أكبر عوامل الهزيمة النفسية ومن أكبر عوامل ضعف المسلمين اليوم، لأننا لا في القديم ولا في الحديث لم نقاتل عدونا بكثرة عدد ولا عدة، ولا يمكن أبدًا أن نعول في معاركنا على موازين مادية فإذا بذلنا وسعنا في الإعداد فقد برئت الذمة حتى لو حصلت الهزيمة، وتعليق ارتفاع شأن الإسلام بمعركة بعينها أو بحرب خاصة قد يؤدي إلى الإحباط وترك الجهاد بسبب تلك الهزيمة علمًا أننا لا نقاتل بعدد ولا عدة، فقد نكون في معركة أكثر من عدونا وأفضل مكانًا منه، إلا أننا لم نستكمل شروط النصر الإيمانية فيمحصنا الله بالهزيمة لتصفى النفوس وتتمحص الصفوف، وحينما نتحاكم إلى المقياس المادي في معركة ما ونعلق آمالنا بها فالهزيمة فيها ستحبط النفوس وتفت في الهمم وتعطل الجهاد، ولكن الصحيح أن نجاهد لأن الجهاد عبادة مفروضة سواءً هزمنا أو انتصرنا.