[الإجابة للشيخ عبد العزيز الجربوع - فك الله أسره - في كتابه (التأصيل لمشروعية ما حصل لأمريكا من تدمير) ]
"إن عموم أدلة الانتحار وتحريم قتل النفس، وأدلة تحريم الدعاء على النفس بالموت، أو تمني الموت، لا تصلح أن تكون دليلًا على مسألتنا ألبتة، لكونها عامة ومسألتنا خاصة، فما نحن فيه مخصوص حكمه من عموم الأدلة التي تحرم قتل المسلم نفسه بغير حق، حيث جاءت النصوص بجواز أن يدعو الإنسان على نفسه بالهلاك خوف الفتنة في الدين، أو أن يلقي الإنسان بنفسه في التهلكة لمصلحة الدين. لذا كانت رواية ابن حبان وإسنادها قوي على شرط مسلم: (لضر نزل به في الدنيا) مبينة اختلاف الحكم باختلاف النية ونوع الضرر.
لهذا قال ابن حجر في الفتح: وقوله "من ضر أصابه" حمله جماعة من السلف على الضر الدنيوي فإن وجد الضر الأخروي بأن خشي فتنة في دينه لم يدخل في النهي ويمكن أن يؤخذ ذلك من رواية ابن حبان لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به في الدنيا على أن (في) في هذا الحديث سببية أي بسبب أمر من الدنيا وقد فعل ذلك جماعة من الصحابة ففي الموطأ عن عمر رضي الله عنه أنه قال اللهم كبرت سني وضعفت قوتي وانتشرت رعيتي فاقبضني لا مضيعًا ولا مفرطًا وأخرجه عبد الرزاق من وجه آخر عن عمر رضي الله عنه وأخرج أحمد وغيره من طريق عبس ويقال عابس الغفاري أنه قال يا طاعون خذني فقال له عليم بن سنان لم تقول هذا ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (لا يتمنين أحدكم الموت) ، فقال إني سمعته يقول: (بادروا بالموت ستًا إمرة السفهاء وكثرة الشرط وبيع الحكم .... ) الحديث وأخرج أحمد أيضا من حديث عوف بن مالك نحوه، وأنه قيل له ألم يقل رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ما عُمّرَ المسلم كان خيرا له .... ) الحديث وفيه الجواب نحوه، وأصرح منه في ذلك حديث معاذ [1] الذي أخرجه أبو داود وصححه الحاكم في القول في دبر كل صلاة وفيه (وإذا أردت بقوم فتنة فتوفني غير مفتون) قوله فإن كان لا بد فاعلًا في رواية عبد العزيز ابن صهيب عن أنس كما سيأتي في الدعوات فإن كان ولا بد متمنيًا للموت قوله فليقل إلخ وهذا يدل على أن النهي عن تمني الموت مقيد بما إذا لم يكن على هذه الصيغة لأن في التمني المطلق نوع اعتراض ومراغمة للقدر المحتوم وفي هذه الصورة المأمور بها نوع تفويض وتسليم للقضاء، وقوله (فإن كان ) الخ فيه ما يصرف الأمر عن حقيقته من الوجوب أو الاستحباب إلى آخر ما قال ابن حجر رحمه الله.