ومن أدلة جواز ذلك بل فضله جميع الأدلة التي فيها الدعاء بطلب الشهادة من الله في سبيله، والشهادة موت كما هو معلوم، ولم يقل أحد إن هذا من تمني الموت المذموم بل هو المحمود لأنه في سبيل الدين ونصرته، لذا جاء عند البخاري باب ما جاء في التمني ومَن تمنى الشهادة، حدثنا سعيد بن عفير حدثني الليث حدثني عبد الرحمن بن خالد عن ابن شهاب عن أبي سلمة وسعيد ابن المسيب أنَّ أبا هريرة قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (والذي نفسي بيده لولا أن رجالا يكرهون أن يتخلفوا بعدي ولا أجد ما أحملهم ما تخلفت، لوددت أني أقتل في سبيل الله ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل) ، وقال حدثنا عبد الله بن يوسف أخبرنا مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (والذي نفسي بيده وددت أني أقاتل في سبيل الله فأقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ثم أحيا ثم أقتل ( .. فكان أبو هريرة يقولهن ثلاثا أشهد بالله، وجاء في صحيح مسلم باب استحباب طلب الشهادة في سبيل الله تعالى حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا حماد بن سلمة حدثنا ثابت عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:(من طلب الشهادة صادقا أعطيها ولو لم تصبه) وقال: حدثني حرملة بن يحيى واللفظ لحرملة قال أخبرنا وقال حرملة حدثنا عبدالله بن وهب حدثني أبو شريح أن سهل بن أبي أمامة بن سهل بن حنيف حدثه عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من سأل الله الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه) ولم يذكر في حديثه بصدق.
وهذا لا شك أنه تَمَنٍّ للموت صدر من رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر به ورغب فيه ولكنه في ذات الله فهو صلى الله عليه وسلم الذي نهى عن ذلك إن كان بسبب الدنيا أو الضجر من الحياة.
ومن المعلوم أيضًا، أن المسلم منهي أن يغشى مواطن الهلكة وموارد قتل النفس فلما كان في سبيل الله، ومن أجل مصلحة الدين وإعلاء كلمة الله، كان ذلك مشروعًا بل مندوبًا ندبًا مؤكدًا ففي صحيح مسلم رحمه الله عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (من خير معاش الناس لهم، رجل ممسك عنان فرسه في سبيل الله يطير على متنه كلما سمع هيعة أو فزعة طار عليه، يبتغي القتل، أو الموت مظانه) وهنا يتبين أن ليس شيء مبتغى سوى القتل والموت ومظانهما.
بل روى البيهقي في السنن الكبرى أيضًا قال: قال الشافعي رضي الله عنه تخلف رجل من الأنصار عن أصحاب بئر معونة، فرأى الطير عكوفًا على مقتلة أصحابه، فقال لعمرو بن أمية سأقدم على هؤلاء العدو فيقتلوني، ولا أتخلف عن مشهد قتل فيه أصحابنا ففعل، فقتل فرجع عمرو بن أمية فذكر ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقال فيه قولًا حسنًا ويقال: قال لعمرو: (فهلا تقدمت؟) . ولنا أن نتأمل قوله (فيقتلونني) أي ليس له ثَمّ هدف سوى أن يقتل في سبيل الله.
ومن المعلوم أيضًا ما قاله العلماء فيمن مكن نفسه من عدوه فقتله، ولم يتخلص منه مع إمكانه التخلص. أن هذا الصنف قاتل لنفسه وإليك نص قول الربيع في الأم للشافعي: قال: وأصح القولين أن لا عقل في النفس ولا قود; لأنه هو الذي قتل نفسه إذا كان يقدر أن يتخلص فيسلم من الموت فترك التخلص وعلى الطارح أرش ما أحرقت النار منه أول ما طرح قبل أن يمكنه التخلص.
وفي موضع آخر من كتاب الأم للشافعي أن من لم يدافع العدو وهو قادر على ذلك أو الفرار هو كقاتل نفسه وأوجب عليه الدفع عن نفسه أو الهرب.