فهرس الكتاب

الصفحة 399 من 743

هل مات الشهيد "حنظلة المكي" متعب المحيّاني؟

] الإجابة للشيخ عبد الله بن ناصر الرشيد - حفظه الله ونفع بعلمه - منقولة من مجلة صوت الجهاد - وفق الله القائمين عليها - العدد الرابع [

قتلت جنود الطاغوتِ الشهيد متعبًا المحيّاني تقبله الله في مطاردةٍ إثر مداهمةٍ بمكّة، فما زادوا على أن صاروا سببًا في حصوله على ما يتمنّاه، وشهادته في سبيل الله، نسأل الله أن يتقبّله ويغفر له ويرحمه.

تقدم الحديث عن عددٍ من أحكام الشهيد، وبيان أنّها منوطةٌ بحياته وموتِه، وأنّه اختلف عن الميّت في أحكام لأنّه حيٌّ وليس ميتًا.

وقد جاء في كتاب الله النهي عن تسمية الشهيد بالميّت، فقال عزّ وجلّ: (وَلاَ تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ) ، (وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) .

فنهى الله عن تسمية الشهيد بالميت، وعقّب بأنّهم أحياء ولكنّنا لا نشعر بذلك، ونهى في الآية الأخرى عن توهّم أنّ الشهيد ميت وأكّد جلّ وعزّ أنّهم أحياء، وذكر الحياة بأمارةٍ معروفةٍ لها، وهي جريان الرزق واستمرارِه، وبيّن أنّ هذه الحياة الشريفة عنده جلّ وعلا فهم عند ربِّهم.

وقد وقفتُ على قصيدة عبد العزيز بن مشرف البكري في رثاء الشيخ الشهيد يوسفَ العييري تقبّله الله واستوقفني منها قوله:

وما ماتَ حتَّى أنهكَ الأرضَ ضربُهُ ... جهادًا ... وروَّتها ... دماءً ... كُلُومُهُ

والشيخُ قُتل ولم يمُت، وقد فرّق الله بينهما: (أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ) ، (وَلَئِن مُّتُّمْ أَوْ قُتِلْتُمْ لإِلَى الله تُحْشَرُونَ) وغير ذلك من النصوص.

مع علمنا أنّ الشهيد ليس حيًّا الحياةَ المعروفة، فروحه قد فارقت بدنه، واختلف العلماء في توجيه حياة الشهيد ومعناها.

فمنهم من ذهب إلى أنّ الشهيد يموتُ بقتله ثمّ يُحيا في قبره الحياة البرزخية، وهو ما يدلّ عليه حديث جابر في الترمذي وابن ماجه، وفيه ذكرَ أنّ الله أحيا أباه، ولكن الحديث ضعيفٌ ورُوي من وجه آخر عن عائشة عند البيهقيّ وهو غلطٌ، ومنهم من ذهب إلى تأويل معنى الحياة بالذكر الحسن ونحوه، ومنهم من رأى أن الشهيد خصَّ بالذّكر لشرفه وبيان علوّ منزلته دون أن يكون له بذلك اختصاصٌ، وإنّما هو حيٌّ حياةً برزخيةً كسائر الأمواتِ، محتجّين بما في المسند من حديث كعب بن مالك: "نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة"، والحديث منقطعٌ لا يصحُّ.

والأكثر على الظاهر وهو اختصاص الشهيد بالحياةِ بعد مقتله، وهو ما دلّت عليه الآيات وأكّدته، وجاءت الأحاديث ببيانِه وبيان هيئة الحياة التي يعيشها الشهيد، كما جاءت بأحكامٍ له مبنيةٍ على الحياة يختصُّ بها عن الميّت، من ترك تغسيله وتكفينه والصلاة عليه.

وهذا لا يُنافي قوله عزّ وجلّ: (كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ) فإنّ النهي في الشهيد عن تسميته ميتًا لا عن القول بأنّه ماتَ، والموتُ مفارقة الروح البدن، وقد وقع للشهيدِ بلا ريب، ولكنّه حيٌّ حياةً من نوعٍ آخرَ أرفعُ من حياة البرزخ، فروحُ الشهيد متّصلةٌ ببدنٍ آخر، وهو أجواف الطير الخضر كما جاء في الحديثِ الذي رواه مسلم من حديث ابن مسعودٍ وغيره أنّ أرواح الشهداء في أجوافِ طيرٍ خضرٍ.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت