يطرح البعض هذا التساؤل ويجعله عائقًا عن الجهاد في جزيرة العرب
] الإجابة من مجلة (صوت الجهاد) العدد السادس عشر الأول من ربيع الآخر عام 1425هـ[
الاختلاف من طبيعة البشر، ولا نعني بالاختلاف الاختلاف اليسير الذي لا يضر فقط، بل الخلاف يجميع درجاته جزء من التكوين البشري الاجتماعي، كما قال تعالى: (وَلا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ * إِلَّا مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) .
والعمل الجهادي ليس مشروعًا يختاره فلان من الناس بعد أن يدرس جدواه، فإن لم يناسبه المشروع تركه بالكلية وبحث عن مشروع آخر يوفر متطلباته، بل هو حكم شرعي محكم مجمع عليه، لم ينقطع منذ مشروعيته، ولا ينقطع حتى يُقاتل آخر الأمَّة الدجَّال.
والذمة لا تبرأ إلا بالقيام بالواجب الشرعي الذي أمر الله به، وليس من الأعذار المسقطة لهذا الواجب وجود الخلاف فضلًا عن احتمال وقوعه.
والخلاف يقع في جميع الأعمال التي يقوم بها البشر، وليس فقط في العمل للدين، ولو تُرك العمل لأجل الخلاف لتعطلت الدنيا وكل ما فيها، فليس من الحكمة ولا من العقل تعطيل العمَل، لأجل خلافٍ محتَمَل.
ولو تأمَّل الناظر التاريخ الإسلامي، لما وجد موطنًا يخلو من الخلاف بدرجاته، ولوجد أيضًا أنَّ الخلاف مهما عظم لم يؤثر على العمل إلى درجة الإعاقة والإنهاء التام له.
فوقع الخلاف في غزوة بدر فيما يفعل بالأسرى، وفي غزوة أحد في الخروج للمشركين قبل المدينة أو انتظارهم ومقاتلتهم في المدينة وهي درع حصينة، ووقع بعد النبي صلى الله عليه وسلم في مقاتلة المرتدين، وفي إنفاذ بعث أسامة، ووقع الخلاف والاقتتال بين علي بن أبي طالب ومن خالفه من الصحابة رضي الله عنهم، وكل هذا الخلاف لم يكن ليعطل الجهاد لا في وقته بعد أن وقع، ولا فيما بعده خوفًا من أن يقع، وهذا في الخلاف في القتال والجهاد، فضلًا عن الخلاف في غيره من الأمور.
ولو تأمَّلت في سير الصحابة رضي الله عنهم وجدت أنَّ الخلاف لم يكن يثنيهم عن الأخذ بالحق في المسألة التي اختلف فيها بعد وقوع الخلاف، ثم إذا نظرت إلى المعاصرين وجدت كثيرًا منهم يثنيه الخلاف عن الأخذ بالحق الذي لم يُختلف فيه، وقبل أن يقع الخلاف بل على احتماله وتوقّعه، فشتّان ما بين العازم على العمل للدين الذي لا يثنيه عما خلق له شيء، والمتخاذل المتكاسل الباحث عن حجة ومتكأ للفرار من أمر الله، وفي هذا مشابهة للذين ذكر الله عنهم: (لَوْ يَجِدُونَ مَلْجَأً أَوْ مَغَارَاتٍ أَوْ مُدَّخَلًا لَوَلَّوْا إِلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ) .
والمُطالب بترك الجهاد خوف الاختلافات يلزمه أن يُطالب الأمة جميعًا بترك الجهاد بالكلية والإعراض عنه، والاستسلام للعدو دون مقاومة، فإنَّ كل موطنٍ من المواطن، وميدان من ميادين الجهاد إمَّا أنَّ الخلاف فيه ظاهرٌ علنيٌّ، وإمَّا أنَّه محتملٌ كما يدّعي من يدّعي في بلاد الحرمين، ولا يُطالب بتعطيل الجهاد في جميع مواطنه اليوم إلاَّ من لا يريد الخير لأمَّة محمد صلى الله عليه وسلم، أو مغفل استقى علومه وأفكاره من كلام أعدائه وقدمها على كلام الله جل وعلا.
وكثير من الجبهات الجهادية لم يقع فيها بين المجاهدين عربهم وعجمهم خلافاتٌ ظاهرةٌ إلى الحد الذي يتمكن المرجفون والمخذلون من التعلق به، وحتى ما وقع فيه اختلاف فإنَّه نجح نجاحًا عظيمًا، وفتح الله فيه على الموحّدين فتحًا مبينًا.