فهرس الكتاب

الصفحة 507 من 743

فلم يقع شيء من الاختلاف في الجهاد أكثر مما وقع في الجهاد الأفغاني ضد روسيا وعملائها - مع الاتفاق على مشروعية ذلك الجهاد- ولكنه أسفر عن تحطيم أقوى جيشٍ بري في العالم باتفاق المحللين، وتفكيك أكبر دولة في العالم وسقوطها سقوطًا مريعًا.

وحقق الجهاد هدفه من دحر الروس وتحطيمهم وإخراجهم صاغرين من أفغانستان، وإزالة دولتهم الشيوعية ومحوها بالكامل، حتى لم يبق للشيوعيين وجود إلا قلة في التخالف الشمالي، ونجح الجهاد في إنقاذ المسلمين والدفاع عن المستضعفين.

وحقق ثمرات عظيمة جدًّا في مخزون الأمة من الكوادر والخبرات مما لم يكن يحلم به المسلمون في ذلك الوقت، فمتى كان المسلمون يطمعون أن يكون لهم قوة عسكرية ترهب أمريكا وترعبها كما نرى في تنظيم القاعدة نصره الله اليوم؟ ومتى كان المسلمون يظنون أن الروس بجميع قواهم سيعجزون عن هزيمة المسلمين القلة المستضعفين في دولة لا تصل مساحتها إلى ألف كيلومتر مربع (في الشيشان) .

وأما الاختلاف الذي وقع بعد تحرير البلاد من المحتل فهو عائد إلى بعض الأخطاء التي وجدت مع الجهاد ولم يمكن إصلاحها، وقد حال دون وصول الجهاد إلى الثمرة العليا المرجوة منه، ولكنه لم يلغ جميع الثمرات التي ما كانت لتحصل بغيره، فأخرج الروس من البلاد، بل أوقف المد الشيوعي الذي التهم بلاد المسلمين وما كان منتهاه بلاد الأفغان لولا منة الله جل وعلا بقيام الجهاد. وحتى الأخطاء التي وقعت ليس مرجعها في الأصل وجود الاختلاف، وإنّما هي نتاج مجموعة من العناصر والمؤثرات ترجع إلى طبيعة الشعب الأفغاني، وطبيعة قادة الحرب في ذلك الوقت، والتقصير الذي حصل في كثير من الجوانب والأسباب التي كان من الممكن حل الخلاف عن طريقها، وأهمّ العناصر التي أدّت بفعالية إلى وقوع الأخطاء والعجز عن التخلص من تبعاتها، هو حسن الظن بالحكومات العميلة التي ثبت تورطها في مشاريع ضخمة لإفساد الجهاد الأفغاني والحيلولة دون حصول ثمرته الشرعية التي كانت ترعبهم وترهبهم وهي قيام دولة الإسلام واستمرار الجهاد في سبيل الله، فكانت لاستخبارات حكومات الدول الإسلامية مساعيها الكبيرة في الإفساد والتحريش بين أمراء الحرب، ودعم الضعيف ليكون في مواجهة القوي، وإدخال عناصر من الاستخبارات في صفوف المجاهدين.

ولو أردنا أن نستخلص عبرة من الاختلاف الذي وقع في الجهاد الأفغاني، فسيكون أهم العبر البعد عن العدو المتلبس في ثياب صديق من الحكومات العميلة المرتدة، والحذر كل الحذر من الركون إليهم تحت أي دعوى أو مسمى كان: من التحالف، وتوحيد الجبهة الداخلية، وغير ذلك فإنَّهم عدو لله ولأوليائه المؤمنين، ولكل محاولة تسعى إلى إقامة دولة الخلافة وإعادة عز الإسلام ومجده.

وقراءة الحركات الجهادية قراءة أكثر تأنيًا مما سبق توضح ما ذكرنا وأنَّ الخلاف مهما كبر حجمه لم يكن عائقًا البتة دون الجهاد في سبيل الله، لا في السيرة والتاريخ، ولا في الواقع المعاصر وإنما عادت الأخطاء اليسيرة -التي لم تفسد الثمرة الأصلية- إلى أمور أخرى ربما اتكأت إلى الخلاف واعتمدت عليه، ورغم ذلك فالمصلحة التي جناها المسلمون وغنمها الإسلام من تلك الحركات الجهادية أعظم بكثيرٍ من أي مفسدةٍ أُخرى حدثت بعد ذلك.

إنَّ المطالبة بترك العمل لأجل الخلاف أو خوف الخلاف لا تقتصر في الحقيقة على الجهاد وحده، بل تشمل كل عمل ومشروع جماعي بشري، وكل عمل إسلامي دعويٍّ أو إغاثي أو غيره.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت