وكذلك من ترك وفاءً لدينه وأقام به كفيلًا أو علم وجود من يقوم به من بعده، فإنَّه لا يدخل في المسألة بالاتفاق لقصة عبد الله بن عمرو بن حرامٍ والد جابر بن عبد الله رضي الله عنه، فقد استشهد في أحد وعليه دينٌ كثيرٌ، ولم يُذكر فيه ما يمنع مغفرة ذنب الدين، بل ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن الله كلمه كفاحًا وقال له تمنَّ يا عبدي، فتمنَّى أن يعود إلى الدنيا فيُقتل في الله ثانيةً، ولم يذكر الدينَ ولا أثره من الذنب.
وإذا كان الجهاد فرض عينٍ سقط إذن الغريم، فإنَّ من الحقوق ما يُقدَّم على الدَّين كالنفقات سواء منها الضروري وما زاد عن حد الضرورة من المعتاد في نفقة مثله، والجهاد مقدَّم على النفقة الزائدة عن الضرورة بلا ريب فثبتَ تقديمه على الدين بثبوت تقديمه على ما هو أولى من الدين، وهذا مأخوذ من فتوى شيخ الإسلام ابن تيمية في قوله: "سُئلتُ عمن عليه دين وله ما يوفيه وقد تعين الجهاد؟ فقلت: من الواجبات ما يقدم على وفاء الدين: كنفقة النفس والزوجة والولد، ومنها ما يقدم وفاء الدين عليه: كالعبادات من الحج والكفارات، ومنها ما لا يُقدَّم عليه إذا خوطب به كصدقة الفطر؛ فإن كان الجهاد المتعين لدفع الضرر كما إذا حضره العدو أو حضر هو الصف قدم على وفاء الدين كالنفقة وأولى".
وقد اعتذر المنافقون وغير المنافقين من النبي صلى الله عليه وسلم في غزواته ولم يُنقل عن أحد منهم بإسنادٍ صحيحٍ ولا ضعيفٍ أنَّه اعتذر بالدَّينِ، ولولا صراحةُ حديث عبد الله بن عمرو لقيل بسقوط الاستئذان في الجهاد المتعيِّن وغير المتعيِّن.
ويمكن أن يُخرَّج سقوط إذن صاحب الدين في الجهاد المتعيِّن على أحد قولَي أهل العلم في تزاحم الحقوق في التركة استدلالًا بقول النبي صلى الله عليه وسلم: "اقضوا الله فالله أحقُّ بالوفاء".
إذا عُلم هذا فإنَّ الأصل سقوط الاستئذان في الجهاد المتعيِّن، وقد استثنى شيخ الإسلام ابن تيمية صورتين من ذلك:
الصورة الأولى: أن يكون الغريمُ يريد الجهاد بالمال الذي يطلبه من المدين، فيجب الأداء ولو كان الجهاد فرض عينٍ لتحصيل مصلحتين: مصلحة أداء الدين، ومصلحة الجهاد، قلتُ: ينبغي تقييد ذلك بما إذا كان الغريم لا يستطيع الجهاد إلاَّ بالمال الذي يطالب به، ويدلُّ على ما ذهب إليه شيخ الإسلام أنَّه مالٌ استويا في الحاجة إليه لأجل الجهاد، والغريم أحقُّ به، ولا يصحُّ أن يُقدَّم المدين لمصلحة الجهاد مع اشتراكهما فيه، إلاَّ إن كان بالمسلمين حاجةٌ إلى المدين بخصوصه فهو مقدَّم لحاجة المسلمين ومصلحة الإسلام.
والصورة الثانية: أن يكون الجهاد باستنفار الإمام، فذهب شيخ الإسلام إلى تقديم حقِّ الغريم، لأنَّ الأصل بقاء الدين ووجوب الأداء، وحقُّ الغريم مقدَّم على حقِّ الإمام في الاستنفار، قلت: حقُّ الغريم حق مالك، وحق ولي الأمر حق مَلِك، ولا شكَّ أنَّ الأوَّل مقدَّم ولكنَّ هذا على التسليم بأنَّ الأمر في النفير حقٌّ للإمام، وإنَّما هو حقٌّ لله عز وجلَّ كما في دفع الصائل، وليس للإمام إلا النظر في المصلحة وتقدير الحاجة، والشارع علَّق تعيُّن الجهاد بأمره حين يرى حاجة المسلمين إلى ذلك، فمن هنا كان الاستنفار كدفع الصائل في التقديم على الدين من جهة أنَّه تقديم لحق الله الواجب في حقِّ المعين على حق الغريم، والإمام أعلم بالعدوِّ وحاجة المسلمين وما قد يفجؤهم أو يقطع طريقهم دون العدو الذي يقصدون إليه، فوجب تسليم النظر في ذلك إليه، وأيضًا فقد خرج المسلمون مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة العسرة وقد تعيَّنت باستنفاره صلى الله عليه وسلم ولم يُعذر أحد ولم يعتذر أحد بالدين.