فهرس الكتاب

الصفحة 410 من 743

والصُّور المستثناة من فرض العين ليست مستثناة بإطلاقٍ، بل هي ملحقة بفرض الكفاية في أحكامه، فما سقط فيه الاستثناء في فرض الكفاية، لحقت به هذه الصور في ذلك.

وإذا كان الجهاد فرض كفاية؛ فالأصل وجوب استئذان الغريم على ما قدَّمنا إلاَّ في صور:

الصورة الأولى: أن يكون العدو قريبًا بحيث لا يحتاج إلى نفقةٍ في الوصول إليه وقتالِه، كحال أهل الثغور المقيمين بها، لأنَّ الغريم إنَّما وجب استئذانه في الجهاد لتقديم حقه في المال على نفقة الجهاد، فحيث لم تكُن نفقة فلا استئذان.

الصورة الثانية: أن يحتاج المسلمون إلى أحدٍ بعينه، فهذا يكون الجهاد في حقه فرض عينٍ وإن كان الجهاد لعموم الناس فرض كفايةٍ، فهو ملحقٌ بفرض الكفاية، فهذه الصورة ليست مستثناة من استئذان الغريم، وإنما هي مستثناة من أحكام فرض الكفاية عمومًا للحوقها بفرض العين.

الصورة الثالثة: استثناها بعض أهل العلم، وهي ما إذا كان الغريم كافرًا، لقول الله تعالى: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا) ، وكأنهم ألحقوها باستئذان الوالدين الكافِرَينِ، ولا يصح هذا والله أعلم، واستئذان الغريم ليس من بابة استئذان الوالدين والزوج والأمير ونحوهم، إذ استئذان هؤلاء متفرع على ولايتهم أو وجوب طاعتهم، أما الغريم فاستئذانه لأجل حقه الواجب تقديمه، فهو استئذان لإسقاط حقِّه، وثبوت هذا الاستئذان فرعٌ على ثبوت الحق المالي، وحيثُ قلنا بحفظ حق الغريم الكافر، فالاستئذان بعض الحقِّ الذي حُكم بحفظه، وليس في هذا ولاية ولا تحكُّمٌ منه في مسلم، بل هو احتياط مشروع له في حفظ حقه والمطالبة به، وإنما يكون هذا في الكافر الذمي أو المعاهد أو المستأمن ممن يُحكم بحفظ ماله.

فتلخَّص مما سبق في حكم استئذان الغريم:

1 -أن استئذان الغريم يسقط ولا يجب أن يُستأذَن في هذه الصور:

إذا كان الدين مؤجلًا لم يحلَّ أجله، سواء كان الجهاد فرض كفاية أو فرض عين.

إذا كان المدين معسرًا، لأنَّ دينه يتأجل إلى ميسرةٍ، فيُلحق بالدين الذي لم يحلّ.

إذا كان الجهاد فرض عينٍ، فيما عدا الصور المستثناة.

إذا تعيَّن الجهاد باستنفار الإمام على الأصح في المسألة، فيكون حكمه حكم سائر صور تعيُّن الجهاد.

إذا لم يحتج الجهاد إلى نفقةٍ، وذلك في فرض العين وفرض الكفاية.

إذا احتاج إليه المسلمون بعينه، لتعيُّنه في حقِّه وإن كان فرض كفايةٍ في حقِّ العُموم.

2 -أن استئذان الغريم واجبٌ لا يجوز الخروج إلا بعد إذنه في هذه الصور:

إذا لم يتعيّن الجهاد، فيما عدا الصور المستثناة.

إذا أراد صاحب الدين أن يجاهد بعين المال الذي يطلبه من المدين، ولم يكن الدائن يستطيع الجهاد بدون هذا المال، إلا إن احتاج المسلمون إلى المدين بخصوصه فيقدَّم.

ولا فرق بين الغريم الكافر محترم المال والمسلم في الاستئذان، لأنَّ الاستئذان من حفظ حقه.

ومن خالف في الصور التي يجب فيها استئذان الغريم فهو عاصٍ مستوجبٌ للإثم بخروجه من هذا الوجه، وجهاده صحيحٌ، بل وذنوبه الكبائر والصغائر مغفورة، ومنزلته منزلة الشهداءِ، والجهة منفكّةٌ بين هذا وهذا، لذا أثبت النبي صلى الله عليه وسلم مغفرة الذنوب للشهيد إلا الدين، وثبوتُ أثر الشهادة من المغفرة فيما عدا الدَّين دليلٌ على صحَّة الشهادة، وقد أشار إلى هذه الفائدةِ الشوكانيُّ في نيل الأوطار بقوله: ولا يخفى أن بقاء الدين في ذمة الشهيد لا يمنع من الشهادة، بل هو شهيد مغفور له كل ذنب إلا الدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت