وفيما يتعلّق بالجيش الأمريكي، فقد عجم المجاهدون عوده، واختبروه في ميادين عدّة، وللمجاهدين خبرةٌ سابقةٌ بقتال أكبر قوّة في العالم وقتها (جيش الاتحاد السوفيتّي) ، ومن خاض المعركتين يؤكد أن لا مقارنة بين الجيشين، وتفوّق أمريكا إنَّما هو بسلاح الجوّ وحده، وسلاح الجوّ كما هو معلوم لا يمكنه حسم المعركة ولا أن يتقدّم في أرض العدوّ بدون سندٍ برّي، والجيش الأمريكيّ البرّي وإن كان قويًّا بالتكنولوجيا والمساندة الجوية إلاَّ أنَّه لا يتناسب مع قوّة أمريكا، ولا يمثّل سمعتها العالميَّة، بل إنَّ أمريكا لم تخض في تاريخها معركة برّيَّة ناجحة، ولم تعتمد على القوة البرية في شيء من المعارك بنسبة كبيرة، وإنَّما كانت قوّتها الكبرى هي القوة الجويَّة.
والقوة الجويَّة، يُمكن تحييدُها في كثيرٍ من الميادين، فهي محيّدة تمامًا في حروب الأدغال كما في الفلبّين، ولهذا أسرعت الانسحاب بعد محاولتها مهاجمة المجاهدين في الفلبين، كما أنَّ الخنادق في الجبال فعّالةٌ جدًّا في تقليص أثر الطائرات في الحرب، وأمّا المدن فلا فعالية للطيران إلاَّ إن وُجدت منشآت ذاتُ أهمّيَّة، أو تجمّع للقوّات البريَّة.
وبالجملة فليس لأمريكا من القوّة ما يوازي مكانتها العالميَّة وسمعتها الدوليَّة، ولكنّ اعتمادها الأكبر على مبدأ: الرّدع، واعتمادها الأكبر في الرّدع على سلاح: الإعلام، فسحرت أمريكا الأمم والشعوب والقيادات على مدى سنين كانت الثقافة الأمريكيَّة تُصدَّر فيها من خلال التلفزيون الأمريكي مصوّرةً أمريكا على أنَّها القوة العظمى التي لا تقهر ولا تُغلب، وكان سحرةَ فرعون العصر هم الإعلاميُّون، ولقد (سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ) .
ولكن الصورة الإعلاميَّة التي ارتدتها أمريكا كانت أكثر هشاشةً من حبال السحرة وعصيِّهم، فما لبث جنود الإسلام البواسل أن أتوهم بعصا موسى، فانسحبت أمريكا من الصومال بسرعةٍ لم تكن متوقّعة، بعد انهمال نيران المجاهدين عليهم فيها، كما انسحبت من عدن خلال أربع وعشرين ساعة بعد أن أحرقها المجاهدون بجحيم العبوات الناسفة، وأثبت الأبطال فشل أمريكا في حماية المنشآت العسكريَّة التي يُفترض أن تكون على جاهزيَّة مستمرّة واستعدادٍ دائم فيما مثّلته ضربة المدمّرة كول، مما أعطى الضوء الأخضر لضرب أمريكا من الداخل، وغزوها في عقر دارها، فكانت ضربة الحادي عشر من سبتمبر المباركة، واستمرّت ضربات المجاهدين لأمريكا ومصالحها في العالم حتّى صارت مهدّدة في كلِّ مكان وفي كلِّ وقتٍ دون استثناء، موقظةً للعالم من كابوس القوة الأمريكيَّة الهائلة، ووهم القدرة المطلقة الكاملة، حتّى أسبغ عليها غير قليل من الناس بعض صفات الربوبيَّة التي لا تكون إلاَّ لله عزّ وجلّ.
والمجاهدون حين اختاروا مواجهة أمريكا، وحين صمّموا على الاستمرار في هذا الطريق، وحين يمضون اليوم في كلّ ميدان إلى هذا الهدف، يعرفون بحمد الله عدوّهم جيّدًا، ويدركون من أين تؤكل كتفه، فيقلُّون الحزّ ويصيبون مفاصل الاقتصاد الأمريكي، ونقاط ضعف أمريكا، ولولا القدرة الإعلاميَّة الأمريكيَّة الضخمة، واستعراض العضلات الذي قامت به في عدة ميادين، مما أعاد لها شيئًا من الهيبة، ولسوقها شيئًا من الأمان، لما تأخر انهيار اقتصادها إلى اليوم، ولكان نزيف الخسائر أسرع مما هو الآن، وهي اليوم في رمقها الأخير، ولا تنتظر إلاَّ ضرباتٍ يسيرةٍ قادمة بإذن الله، وقد أعدَّ الله لها جنودًا بواسل، ومنهم: لكلّ نازلةٍ كفاءُ، بحول الله وقوّته وحده، ونصرته لعباده المؤمنين.