فهرس الكتاب

الصفحة 206 من 743

فالواقع أنَّ المجاهدين عملوا فطُلبوا، لا أنَّهم طُلبوا فعملوا.

أما مسألة: هل انتظر المجاهدون اجتماع الشروط العسكرية لبداية العمل، أم أعجلتهم المطاردات والمداهمات وانكشاف ما يعدون له؟

فيمكن من ينظر نظرة بسيطة، ولديه أدنى تجربة جهادية أو معرفة ناتجة عن متابعة الأخبار باهتمام، أن يعرف أمرين ويدركهما بوضوح:

الأمر الأوَّل: أنَّ المرحلة التي انكشف فيها عمل المجاهدين إنَّما كانت في الخطوات النهائية لبدء العمل، والانكشاف متوقع جدًّا ويحصل في جميع المراحل -سواء في المشروع العسكري من الأساس، أو في عملية معينة- والمرحلة التي وصل إليها المجاهدون قبل انكشاف العمل، مرحلة لا يضرها الانكشاف إلا بنسبة لا تخرج عن حدود ما تتوقعه القيادة الميدانية وتتمكن من السيطرة عليه بالخطط البديلة، فلم يكن الانكشاف والعمل في مهده ومراحله الأولى ولا المتوسطة.

وبناء على هذا، فلا يمكن أن نقول إنّ الانكشاف سبب التعجل عن توفير الشروط العسكرية اللازمة، مع أنَّ العمل لم ينكشف إلا وقد توفّرت الشروط بمستوى أعلى من المستوى الأدنى الذي لا بد منه.

الأمر الثاني: أنَّ أكثر الحركات الجهادية المعاصرة -إن لم يكن جميعها- دخل المعركة، وبدأ في المواجهة في مستوى أقل من المستوى الذي بدأت به حركات الجهاد في بلاد الحرمين.

فعدد المجاهدين الذي يمكن معرفته أو تقديره من وسائل إعلام العدو، أو من تقدير العمليات أكثر من العدد في كثير من الحركات الجهادية التي بدأت ببضعة عشر رجلًا.

والأسلحة التي توفرت لدى المجاهدين قبل بدء العمل لم تستطع بعض الحركات توفيرها إلا بعد خمس سنوات أو عشر سنوات من بداية العمل.

والتأييد الشعبي الذي حصل عليه المجاهدون بفضل الله لم تحظَ به أكثر الحركات في بداياتها، بل لم تصل إليه بعض الحركات الجهادية إلا بعد سنوات طويلة، والحركة الجهادية في جزيرة العرب توفر لها من الدعم والتأييد والتعاون قبل بدايتها ما جعل العدو يقلب كفيه، ويخبط خبط عشواء.

ولا بدّ أن نتذكّر ونذكِّر أنَّ كل هذا التأييد لم يكن بحول ولا قوة من المجاهدين، وإنَّما هو محض فضل الله عليهم، ومنته على عباده المؤمنين، كما نتذكّر أيضًا أنَّ المجاهدين لا ينصرون بعددٍ ولا عدّةٍ ولا فضلِ علمٍ وخبرةٍ، وإنَّما يُنصرون وينتصرون بالله عز وجل وبنصرتهم لدينه التي وعدهم عليها أن ينصرهم.

وليس هذا المقام مقام البحث في أسباب توفر ذلك بعد توفيق الله، من المستوى الديني والصحوة المباركة في البلاد، والمحبة التي ترسخت في قلوب الناس للجهاد، والنفاق الخبيث الذي انكشف لمن لم يكتشفه قبل من الناس من نفاق حكومة آل سلول الذي أعلنته في الأحداث الأخيرة.

ولكن المراد الحديث عن الشروط العسكرية التي يدّعي من يطرح هذا التساؤل أو يروّج هذه الشبهة أنَّها لم تتوفر للمجاهدين في جزيرة العرب، وأنَّهم تعجّلوا وتهوّروا فلم ينتظروها، ونحن نقول أما المستوى الكافي الذي يعرفه أصحاب الخبرة من الإعداد الواجب فهو موجود، وأما المستوى الخيالي والافتراضي الذي يفترضه صاحب الشبهة، فلو أوقفنا حركة من الحركات الجهادية حتى تصل إليه لم تصل إليه قبل قرن من الزمان إلا أن يشاء الله، ولما رأيتَ اليوم شيئًا من المشاريع والحركات الجهادية في بلاد الله، ولكنَّ الله تكفل بها وصانها عن أن يستأصلها المخالفون، أو يوهن من عزمها الخاذلون والمخذّلون، "لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين يُقاتلون على أمر الله لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك".

فالحمد لله على إنعامه بهذه الطائفة المباركة، وهنيئًا لمن لحق بها وجاهد في سبيل الله معها، وحسرة على القاعدين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت