فهؤلاء هم أشباه أولئك، إذا صيح بهم: يا خيل الله اركبي، قالوا: لو نعلم قتالا لاتبعناكم، وهؤلاء إذا ذكروا بالله: ? (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ) [النساء:75] قالوا: لو أريتمونا تجربة ناجحة لفعلنا مثل فعلكم ولخرجنا معكم يهلكون أنفسهم ويعلمون أنهم كاذبون، أو كحال الذين قال الله عنهم (الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللّهِ قَالُوا أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ) [النساء:141] .
ألا فليتق الله هؤلاء وليراجعوا أنفسهم هل ما يقولونه له قيمة حقيقية؟ هل يصح أن نُعَلِّق أمر الله بالجهاد على نجاح التجارب؟ إذًا فليتركوا الدعوة إلى الله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر!! لأن تجاربه الكثيرة فشلت ولم تؤد النتيجة المطلوبة.
جماعات إسلامية، سرية وعلنية من عشرات السنين تسعى لإقامة الدولة الإسلامية وإلى الآن لم تتقدم خطوةً واحدةً في هذا المجال في حين أن الجهاد في سبيل الله استطاع أن يقيم دولًا وكيانات مباركة، حمت المسلمين، واستطاعت تطبيق الشريعة الإسلامية إلى حين، دولة الشيخ محمّد بن عبد الوهاب رحمه الله لم توجد إلا بالجهاد، ودولة الطلبة في أفغانستان لم تقم إلا بالجهاد، والدولة الإسلامية في الشيشان لم تقم إلا بالجهاد، صحيح أن هذه التجارب لم تكتمل أو تؤدِ دورها الكامل المطلوب لكن هذه سُنّة كونيةٌ معلومةٌ وهي التدرج فبالأمس لم نكن نحلم بدولة، واليوم تقوم لنا دول وتسقط، وغدًا بإذن الله تقوم ولا تسقط حتى يأتي أمر الله، ولم يكن فتح مكة إلا بعد غزوات كبار، وهجمات صغار، وسرايا مبثوثة، ومناوشات محدودة، كان بعدها النصر العظيم والفتح المبين، وكذلك في زماننا بإذن الله، أم يتوقع هؤلاء المثاليون أن تقوم لنا دولة الإسلام هكذا في يومٍ واحدٍ وبدون دماءٍ وتضحيات، أو بدون تعثراتٍ وتلكؤات وهزائم أحيانًا.
خلاصة الحديث أنّ الجهاد عبادةٌ من العبادات، مثله مثل الصلاة والصوم والحج من جهة، ومثل الدعوة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من جهة أخرى، وعلى كلا الجهتين لا يجوز أن يعترض على إقامته معترض بأنه لم يحقق فوائده وأن تجاربه كانت فاشلة لأمور:
أولها: أن مجرد الامتثال للأمر الواجب أكبر فائدة، ولا تبرأ الذمة إلا به، والخسران كل الخسران في تركه.
وثانيها: أنّه مهما تخلفت بعض مقاصد الجهاد وفوائده، فإنه لا يخلو من مقاصد أخرى وفوائد كبرى، لا يدركها المتعجلون السطحيون الذين يقيسون الأمور بمقياس مادي، ومن تلك الفوائد الابتلاء والتمحيص، واتخاذ الشهداء، وتكفير الذنوب، وغير ذلك مما لا يفهمه إلا المستنيرون بنور الوحي.
وثالثها: أنّ الفشل الظاهري في تحقيق بعض مقاصد الجهاد ليس ضربة لازب، أو قدرًا لا يتزحزح بل فضل الله واسع، ووعده حق، وهو ناصرٌ دينه، ومعلٍ كلمته، طال الزمن أو قصر، لا نشك في ذلك طرفة عين، وإنَّ المجاهدين المطاردين اليوم لهم أحق الناس وأولاهم أن ينعموا بذلك اليوم ونصره، ويفرحوا بفضله، إن ثبتهم الله على هذا الطريق وأحياهم إلى حين، وأما هؤلاء المتربصون الشامتون فهم أولى بالندامة في الدنيا والآخرة نسأل الله العفو والعافية. [1]
[1] [أباطيل وأسمار - أبو عبد الله السعدي - مجلة صوت الجهاد - العدد التاسع]