فالعهد يستند قانونيًّا إلى الطاغوت، ويستمدُّ شرعيَّته من الطَّاغوت، ويُتحاكم فيه عند النزاع إلى الطاغوت، فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى.
وأمَّا لوازم هذا العهد: فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "كل شرط ليس في كتاب الله فهو باطلٌ"، والتحقيق في معنى هذا الحديث والله أعلم: أنَّ كلَّ شرطٍ استلزم بالوضعِ ما يُخالفُ الشَّرعَ شرطٌ باطلٌ، ومنهُ التأجير المنتهي بالتمليك بصورته الموجودة كما قُرِّر وحُرِّر في غير هذا الموضع.
وهذه العهودُ، تأذنُ فيما تأذن، وفيما سُطر في ملّة الأمم المتّحدة: بإقامة الكنائس في بلاد المسلمين، ومعلومٌ الإجماع على تحريم إحداثِها في بلاد المسلمين، وتجعل فيما تجعلُ للكُفَّار أرضًا من أرض المسلمين، كانت قبل دخولهم محكومةً بحكم الله، تجعلها أرضًا لا يجري عليها غير أحكام بلادهم، كالمناطق الدبلوماسيَّة، وكمُجمّعات إسكان هؤلاء الأمريكان، والحديثُ عنها يردُ بتفصيلٍ أوسعَ عند الكلام على مسألة الطائفة الممتنعة في جواب السُّؤال الثاني بإذن الله.
هذا فيما يتعلَّق بالمقام الأوَّل: وهو صحّة العهد في نفسه، وقد تبيّن أنَّه باطلٌ من جهة المدّة، ومن جهة المشرِّع، ومن جهة اللوازم، وكلُّ واحدةٍ من هذه الثلاث تكفي لبطلان العهد في المقام الأوَّل، وبطلانه في المقام الأوَّل كافٍ في إبطالِه، إلاَّ أنَّا سنتعرَّضُ للمقامات الثَّلاث، لتتبيَّن رعاك الله أنَّ تسمية الأمريكان القتلى في تفجيرات الرياض معاهدين من أبطل الباطل، وأبعده عن أن يكون حقًّا أو شبيهًا بالحقِّ.
وأمَّا المقام الثَّاني: فإنَّ العهد الذي يدّعونه للأمريكان، عقدته الحكومة السُّعوديَّةُ، والحكومة السعوديَّة ليس لها أهليَّةٌ المعاهدة عن المسلمين في أرضها، فإنَّها حكومةٌ مرتدَّةٌ يجبُ قتالُها، فكيف تعصمُ غيرَها؟
والحديث عن ردَّة الحكومة السعوديَّة حديث يطولُ، وقد تم تفصيله تفصيلًا كافيًا بإذن الله في غير هذا الموضعِ، وإجمال ذلك بأمورٍ:
الأول: أنَّها تًحكِّمُ الطاغوتَ، في المحاكم الوضعيَّة: كمحكمة العمل والعمّال، والمحكمة التجارية، والمحكمة الإعلاميَّة، واللجان المصرفيَّة وغيرها، كما تحتكم إلى طاغوت الأمم المتحدة وغيره، وترضاه، بل وتتعهد بمقاتلة من ردّ حكمَ الطاغوتِ، أو حَكَمَ الطاغوتُ بوجوب مقاتلته.
الثاني: أنَّها تتولَّى الكافرين، وتصرِّح لهم بأعلى درجات الولاية، وتناصرهم على المسلمين، وتطيعهم في أمورهم، وتجعل لهم الولاية على المسلمين داخل أرضها في أمور كثيرةٍ بالطاعة المطلقة لهم، وقد قال تعالى: (ومن يتولهم منكم فإنه منهم) وغيرُ هذه الآيات الدالة على كفر تولي الكافرين كثير.
الثالث: أنَّها تستهزئ بالله وآياته في صحفها، وتحارب الدين وأهله، وتحمي المستهزئين بالشوكة والقوانين.
على أنَّ العهدَ ولو كان من مسلمٍ، إن كان في حقيقته خيانةً للدين، وموالاة للكافرين، ولو تُنزّل بعدم كفر الحاكم، فإنَّه باطلٌ ومعصيةٌ، لا يجوز العمل به ولا إقرارُه.
وأمَّا المقام الثالث: وهو إثباتُ أنَّ العهدَ لا ينتقضُ بمحاربة مسلمين في ولاية أخرى؛ فغايةُ ما يستدلُّون به له أمران:
الأوَّل منهما: قوله تعالى: (وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) .
والثَّاني: ردُّ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم من آمن من قريش بمقتضى صلح الحديبيَّة، واستقلال عهده وحربه عن أبي بصيرٍ الذي كان يُحارب من عاهدهم النبي صلى الله عليه وسلم.