فهرس الكتاب

الصفحة 386 من 743

لاشك ولا ريب أن هذا الفهم للتربية فهم منحرف غاية الانحراف عن منهج خير القرون، وهو هوى وضلال لا يعرفه إلا متبع لهوى نفسه، أو امرئ لا يدرك حقيقة ما يقول وهو مجانب لمنهج الحق الذي ارتضاه الله عز وجل لخلقه المؤمنين اتباع نبيه محمد صلى الله عليه وسلم، ولا شك أيضا أن سلف الأمة الصالح ما عرفوا هذا النوع من التربية ولا اتخذوه منهجًا في سيرهم إلى الله تعالى، بل لقد كان صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل بعضهم بعضًا عن آخر ما نزل على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليتبعوه ويعملوا به على الفور حتى سخر منهم المنافقون واستهزؤا بقولهم كما حكى الله تعالى ذلك في قوله (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ) ، وكان هذا ديدن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ينفذون أمر الله عز وجل على الفور ليزكوا أنفسهم ويطهروها بمنهج الله الرشيد.

ومن ذلك قول عائشة رضي الله عنها عندما نزلت آية الحجاب قالت (يرحم الله النساء المهاجرات الأُول لمَّا أنزل الله(وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ) شققن اكتف مروطهن فاختمرن بها) [رواه أبو داود] ، وما فعلته الصحابيات الجليلات والصحابة جميعا إلا دليل على فهمهم الحق ومعرفتهم الصائبة لمعنى التزكية والتربية لأنفسهم واستجابة لقول الله تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ) ، وقوله تعالى (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ) .

فيسارعون في تنفيذ أمر الله تعالى ويسابقون في فعل الطاعات كفعل أبي بكر الصديق وعمر بن الخطاب رضي الله عنهما إذ جاء أحدهما بماله كله وجاء الآخر بنصف ماله طاعة لله ورسوله ومبادرة لفعل الخيرات، فكانت غايتهم رضوان الله تعالى وهمهم وشغلهم توحيده وإقامة دينه في الأرض لذلك سادوا فسعدوا وجاهدوا فظفروا بإحدى الحسنيين ونصروا دين الله فنصرهم الله تعالى وأعلى مكانتهم.

التربية والجهاد:

وفي هذا الوقت وقد ارتفعت راية الجهاد - ولله الحمد - في كثير من بقاع الأرض وسرت شعلة الجهاد متوقدة في قلوب كثير من شباب الإسلام حتى أغاظت أعداء الله تعالى وأقلقتهم في مضاجعهم، بدأت تعلو أصوات تعيب على المجاهدين جهادهم في سبيل الله وإثخانهم في أعداء الله وتنادي إلى منهج مبتور مرقع أُسس على غير منهج السلف، وتسلك طريقا ليست طريق الأولين، سمته البارزة التي يدعو إليها وركيزته التي يعتمد عليها هي "دعوى التربية".

وليت تلك الأصوات المنادية بضرورة التربية اتبعت الفهم السليم وسلكت الطريق المستقيم، إذا لكان الخطب يسيرً وان وقع الخلاف بعدها في كيفية التطبيق ولكن لمَّا نأوا بأنفسهم وانفردوا بفهمهم، منعزلين في ذلك عن الاستقاء الصحيح والاستدلال الصريح من أي من الوحيين، كانت نتائجه ما نرى ونعاين وآثاره ما نشعر ونعاني، وغدا في الحقيقة منهجًا للتبرير لا مسلكًا للتغيير، شعر أهله أو لم يشعروا، ولكنها الحقيقة التي لا تجحد أو ترد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت