فهرس الكتاب

الصفحة 428 من 743

ويتضح مما تقدم من مطالعة السيرة، فالمسلمون خسروا في بداية الإسلام ديارهم وأرضهم وأموالهم، ولكنهم لم يعتقدوا أن الإسلام لن ينتشر إلا من تلك الأرض المقدسة - مكة - بسبب ما فيها من مقومات حيث إنها كانت قبلة العرب آنذاك وهي ثقلهم وهي البلد التي يعرفونها ويعرفوا أهلها، ولكن النبي صلى الله عليه وسلم بأمر من الله تعالى خرج من تلك الأرض لينشر الإسلام انطلاقًا من غيرها، فكان النبي صلى الله عليه وسلم يخيل إليه بأنه مهاجر وكان يذهب ظنه إلى اليمامة أو هجر، وعرض نفسه على أهل الطائف لينشر الدعوة من هناك، فأوحى الله إليه أن الهجرة إلى طيبة، فهاجر إليها وانطلق وصنع مقومات الانطلاق والجهاد والبقاء، وبدأ يعمل لأرض مهجره وكأنها الأرض التي ولد فيها، وانتشر الإسلام من أرض ليست هي أحب البقاع لا إلى الله ولا إلى نبيه صلى الله عليه وسلم فقد قال صلى الله عليه وسلم وهو خارج منها كمار روى القرطبي في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (لما خرج النبي صلى الله عليه وسلم من مكة إلى الغار التفت إلى مكة وقال اللهم أنت أحب البلاد إلى الله وأنت أحب البلاد إلي ولولا المشركون أهلك أخرجوني لما خرجت منك) فنزلت الآية (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً) الآية ذكره الثعلبي وهو حديث صحيح.

وروى أيضًا الترمذي والحاكم وابن حبان وغيرهم قول النبي صلى الله عليه وسلم لمكة (ما أطيبك من بلد وأحبك إلي ولولا أن قومي أخرجوني منك ما سكنت غيرك) وفي رواية (والله إني لأعلم أنك خير أرض الله وأحبها إلى الله ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت) .

وهكذا لم يقيد نفسه صلى الله عليه وسلم بأرض بل قيدها بشعائر يسعى لتهيئة الأوضاع والأماكن لأدائها، وهكذا كان دأبه صلى الله عليه وسلم لا في الدعوة ولا الجهاد ولا في أي شعيرة أخرى.

وحمل الراية من بعد النبي صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله عنهم ففعلوا كما فعل سيدهم صلى الله عليه وسلم فجابوا الأرض طولًا وعرضًا، ولم يكن سبب مفارقتهم للمدينة النبوية فرارهم بدينهم كما فارقوا مكة، بل إنهم فارقوا أقدس البقاع بعد مكة من أجل نشر الدين وإقامة شعيرة الجهاد في مشارق الأرض ومغاربها.

يوضح ذلك ما رواه الإمام مالك في موطئه فقال: أن أبا الدرداء رضي الله عنه كتب إلى سلمان الفارسي رضي الله عنه أن هلم إلى الأرض المقدسة فكتب إليه سلمان إن الأرض لا تقدس أحدا وإنما يقدس الإنسان عمله.

فلم يعلقوا الجهاد بمكة أو المدينة ولم يعلقوه أيضًا ببيت المقدس، بل إنهم جعلوا تلك الشعيرة عبادة يعبدون الله بها في كل مكان تحققت أسباب التعبد بها.

ولو أن المسلمين علقوا الجهاد بالأرض لاندثرت تلك الشعيرة لأن المسلمين فقدوا السيطرة على بقاع عدة في تاريخهم القديم والمعاصر، فتعليق مفهوم الجهاد من أجل بيت المقدس يؤدي إلى زوال شعيرة الجهاد إذا عجز المسلمون عن تحريرها أو حرروها، ففي كلا الأمرين زال مناط الجهاد الوحيد فزال الجهاد، وهذا يدل دلالة واضحة على ضلال من قال إن نزاعنا مع اليهود هو نزاع من أجل الأرض، فقد كذب ذلك القائل بل إن نزاعنا مع اليهود هو نزاع عقدي ولو أن المسلمين استنقذوا جميع بلاد المسلمين من أيديهم لكان واجبًا عليهم أيضًا أن يلاحقوهم في أرضهم ويغزوهم في عقر دارهم كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه من بعده رضي الله عنهم.

ومفهوم تعليق الجهاد بأرض هو مفهوم باطل سيؤدي إلى التخلي عن تلك الشعيرة إذا فقدت تلك الأرض، وهذا نفسه قد يؤدي إلى إلغاء شعائر أخرى إذا ما أنيطت بأسباب لم يأذن الله بها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت