فهرس الكتاب

الصفحة 437 من 743

ومن أنواع نصر الله للمجاهدين أن يهلك عدوهم بقارعة من عنده ويكون سبب تلك القارعة هو جهاد المجاهدين، فقد يعجز المجاهدون عن هزيمة عدوهم في الميدان وهذا غالبًا لعدم المكافأة في المعركة، ولكن الله قوي عزيز، وبما أن المجاهدين قد بذلوا السبب وعملوا بما أوتوا من قوة ووسع للإعداد لجهاد الأعداء، فإن الله سيجعل من مجهودهم البسيط ومواجهتهم الضعيفة سببًا لهلاك عدوهم بقارعة من عنده وأكد الله لنا ذلك بقوله: (كَمْ مِنْ فِئَةٍ قَلِيلَةٍ غَلَبَتْ فِئَةً كَثِيرَةً بِإِذْنِ اللَّهِ وَاللَّهُ مَعَ الصَّابِرِينَ) .

والقارعة التي حلت بفرعون من أجل جهاد موسى عليه السلام ومن معه توضح هذا الأمر، فإن الله تعالى قادر على أن يهلك فرعون قبل مجيء موسى عليه السلام أو بعد مجيء موسى ولكن في أول إعراض فرعون وتكبره، ولكن الله أمهله حتى طغى وتجبر وخرج بخيله ورجله لإطفاء نور الله تعالى، وفي الميدان حلت القارعة بفرعون وجنوده وكان السبب موسى عليه السلام فقال الله تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ) وقال: (وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) .

ولما ظهر جهاد النبي صلى الله عليه وسلم وأعرضت قريش عن الانصياع للحق سلط الله عليهم عذابه ليذعنوا لأمر النبي صلى الله عليه وسلم فقد جاء في الصحيحين عن عبد الله بن عباس رضي الله عنهما (أن قريشًا لما استعصت على النبي صلى الله عليه وسلم ورأى منهم إدبارًا دعا عليهم بسبع كسبع يوسف، فأخذتهم سنة حست كل شيء حتى أكلوا الجلود والميتة والجيف وينظر أحدهم إلى السماء فيرى الدخان من الجوع، فجاء أبو سفيان إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال له يا محمد إنك تأمر بطاعة الله وبصلة الرحم وإن قومك قد هلكوا فادع الله لهم قال تعالى:(فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَاتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ) إلى قوله: (إِنَّكُمْ عَائِدُونَ * يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ) كل ما أصابهم كان بسبب جهاد النبي صلى الله عليه وسلم لهم وكان ذلك بعد الهجرة وتشريع الجهاد، ولم يصبهم ما أصابهم بسبب جيش النبي صلى الله عليه وسلم في ميدان المعركة، فالرسول قتل من قريش ما لا يزيد عن 200 رجل في معاركه معهم، وهم قتلوا من المسلمين قريبًا من نصف هذا العدد، ولكن الله أصاب قريشًا بقارعة من عنده أذعنت لأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم فهدى منهم أقوامًا وأهلك آخرين على كفرهم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت