وأهواءهم: هو ما يهوونه؛ وما عليه المشركون من هديهم الظاهر، الذي هو من موجبات دينهم الباطل، وتوابع ذلك فهم يهوونه، وموافقتهم فيه اتباع لما يهوونه، ولهذا يفرح الكافرون بموافقة المسلمين في بعض أمورهم، ويسرون به ويودون أن لو بذلوا مالًا عظيمًا ليحصل ذلك. ولو فرض أن ليس الفعل من اتباع أهوائهم فلا ريب أن مخالفتهم في ذلك أحسم لمادة متابعتهم في أهوائهم وأعون على حصول مرضاة الله في تركها، وأن موافقتهم في ذلك قد تكون ذريعة إلى موافقتهم في غيره، فإن من حام حول الحمى أوشك أن يواقعه، وأي الأمرين كان حصل المقصود في الجملة وإن كان الأول أظهر ... وقد قال: (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) ومتابعتهم فيما يختصون به من دينهم وتوابع دينهم اتباع لأهوائهم، بل يحصل اتباع أهوائهم بما هو دون ذلك. ومن هذا أيضا قوله تعالى (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) .
فانظر كيف قال في الخبر (مِلَّتَهُمْ) وفي النهي: (أَهْوَاءَهُمْ) ؛ لأن القوم لا يرضون إلا باتباع الملة مطلقًا، والزجر وقع عن اتباع أهوائهم في قليل أو كثير، ومن المعلوم أن متابعتهم في بعض ما هم عليه من الدين نوع متابعة لهم في بعض ما يهوونه أو مظنة لمتابعتهم فيما يهوونه كما تقدم" أ. هـ كلامه رحمه الله تعالى.
ومن هذا يتبين لنا أن الهزيمة كل الهزيمة باتباع ملة الكافرين، أو اتباع ما يهوونه سواءً بالقول أو الفعل أو الاعتقاد، وما أكثر المنهزمين اليوم، الذي اتبعوا ما يهواه الكافرون، وزعموا بأن الله يأمر بهذا، (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَامُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) ، ولا يعلن اليوم قادة الصليبيين أمرًا يهوونه ويريدونه من المسلمين، إلا تهافت عدد من أبناء المسلمين مبدين أن الإسلام أتى قبل ألف وأربعمائة سنة بما ينادي به الحقراء، فليس تهافتهم هذا إرضاءً لله، إنما هو اتباع لأهوائهم أو اتباع من البعض لملتهم، فأي هزيمة أعظم من هذه الهزيمة.
ثاني معاني الهزيمة: المداهنة للكافرين:
قال تعالى: (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ * وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ) وقوله: (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) نهي من الله سبحانه وتعالى لرسوله صلى الله عليه وسلم أن يطيع المكذبين - وهم كفار مكة - بما فيه خلاف الحق.
قال القرطبي رحمه الله في تفسيره 18/ 230 "نهاه عن ممايلة المشركين، وكانوا يدعونه إلى أن يكف عنهم ليكفوا عنه، فبين الله تعالى أن ممايلتهم كفر، وقال تعالى: (وَلَوْلا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا) ".
قال الشوكاني رحمه الله في فتح القدير 5/ 268 " (فَلا تُطِعِ الْمُكَذِّبِينَ) : نهاه سبحانه عن ممايلة المشركين - وهم رؤساء كفار مكة - لأنهم كانوا يدعونه إلى دين آبائه فنهاه الله عن طاعتهم، أو هو تعريض بغيره عن أن يطيع الكفار، أو المراد بالطاعة مجرد المداراة بإظهار خلاف ما في الضمير، فنهاه الله عن ذلك".