الجواب: والله سبحانه المسؤول أن يحفظ علينا دين الإسلام، إن هؤلاء قوم قد أشربوا حب النصارى في قلوبهم واستحضروا عظمة ملكهم، وصولتهم، ولاحظوا توفر الدنيا بأيديهم التي هي حظهم من الدنيا والآخرة، وقصروا نظرهم إلى عمارة الدنيا، وجمعها، وأن النصارى أقوم لحفظها، ورعايتها فإن كان القوم المذكورون جهالًا، يعتقدون رفعة دين الإسلام، وعلوه على جميع الأديان وأن أحكامه أقوم الأحكام، وليس في قلوبهم مع ذلك تعظيم الكفر، وأربابه، فهم باقون على أحكام الإسلام، لكنهم فساق مرتكبون لخطب كبير، يجب تعزيرهم عليه، وتأديبهم وتنكيلهم، وإن كانوا علماء بأحكام الإسلام، ومع ذلك صدر عنهم ما ذكر فيستتابوا، فإن رجعوا عن ذلك وتابوا إلى الله تعالى، وإلا فهم مارقون، فإن اعتقدوا تعظيم الكفر، ارتدوا، وجرى عليه أحكام المرتدين، وظاهر الآيات والأحاديث، عدم إيمان المذكورين، قال تعالى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ .. الآية) فالآية تقتضي أن الناس قسمان: الذين آمنوا وليهم الله تعالى، أي لا غيره فليس لهم مولى دون الله، ورسوله، الله مولانا ولا مولى لكم، والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت، فلا وسط، فمن اتخذ الطاغوت وليًا من دون الله فقد خسر خسرانًا مبينًا، وارتكب خطبًا جسيمًا، فليس إلا ولي الله أو ولي الطاغوت، فلا شركة بوجه من الوجوه البتة، كما تقتضي الآية، وقال تعالى (فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) ، وقد حكم الله أن لا نتولى الكفار بوجه قط، فمن خالف لما يحكم، فأنى يكون له إيمان، وقد نفى الله إيمانه، وأكد النفي بأبلغ الوجوه والإقسام، على ذلك فاستفده، وقد أخرج أبو داود عن ابن عمر رضي الله عنهما، والطبراني في الأوسط عن حذيفة رضي الله عنه (من تشبه بقوم فهو مهم) فالحديث زاجر عن التشبه بالكفار، من نصب البيارق وغيره من وجوه التشبه كهيئة اللباس والمشي، والحركات والسكنات فقد خالف النبي صلى الله عليه وسلم اليهود وأمر بمخالفتهم في جميع ما يفعلونه، وكذلك المجوس، والنصارى، في شعارهم، ولباسهم وأعيادهم وصومهم، وجميع أحوالهم مغايرة لهم وإغاظة ولقوله صلى الله عليه وسلم (لا تستضيئوا بنار المشركين) وورد عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه النهي عن مساكنتهم، وتعلم كتابتهم والدخول معهم في أعيادهم، ومجامعهم، وتعلم رطانتهم، إلى غير ذلك فمن تشبه بهم محبة لهم ورضي بكفرهم فهو كافر، ومن يفعل ذلك غافلًا عن هذا القصد فقد شابههم في أمورهم الجاهلية ففيه خصلة من خصالهم، يلزمه التوبة منها بالشرط المقرر للتوبة في محله، قال ابن تيمية: حديث (من تشبه بقوم فهو منهم) أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه، كما في قوله تعالى (وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) ، وهو نظير قول ابن عمرو رضي الله عنهما (من بنى بأرض المشركين، وصنع نيروزهم ومهرجانهم أو تشبه بهم حتى يموت حشر يوم القيامة معهم) فقد حمل هذا على التشبه المطلق، فإنه يقتضي الكفر، ويقتضي تحريم أبعاض ذلك وقد يحمل على القدر المشترك، الذي شابههم فيه، فإن كان كفرًا أو معصية، أو شعارًا لها كان حكمه كذلك". أهـ كلامه رحمه الله.