فهرس الكتاب

الصفحة 479 من 743

وأُثر مثل ذلك عن السلف أيضًا، فقد روى سعيد بن منصور في سننه [2822] بإسناد فيه ضعف عن عبد الرحمن بن أبى عمرة في قصة بعث عمر بن عبد العزيز رحمه الله له بفداء أسارى المسلمين من القسطنطينية، قال: قلت له: (أرأيت يا أمير المؤمنين إن أبوا أن يفادوا الرجل بالرجل كيف أصنع؟) قال عمر: (زدهم) قلت: (إن أبوا أن يعطوا الرجل بالاثنين؟) قال: (فأعطهم ثلاثًا) ، قلت: (فإن أبوا إلا أربعًا؟) قال: (فأعطهم لكل مسلم ما سألوك فوالله لرجل من المسلمين أحب إلي من كل مشرك عندي! إنك ما فديت به المسلم فقد ظفرت، إنك إنما تشترى الإسلام) قال عبد الرحمن بن أبى عمرة رحمه الله: (فصالحت عظيم الروم على كل رجل من المسلمين رجلين من الروم) .

رابعًا: النفير لفكاك الأسرى واستخلاص المعتقلين بالشوكة وإعداد القوة لذلك، باعتباره من أفضَل الجهاد في سبيل الله تعالى.

قال ابن العربي المالكي رحمه الله في معرض حديثه عن الأسرى المستضعفين من المسلمين: (إنّ الولاية معهم قائمة، والنصرة لهم واجبة بالبدن بألاّ يبقى منا عين تطرف حتى نخرج إلى استنقاذهم؛ إن كان عددناًَ يحتمل ذلك، أو نبذل جميع أموالنا في استخراجهم، حتى لا يبقى لأحد درهم، كذلك قال مالك وجميع العلماء، فإنا لله وإنا إليه راجعون على ما حلَّ بالخلق في تركهم إخوانهم في أمر العدو، وبأيديهم خزائن الأموال، وفضول الأحوال، والعدة والعدد، والقوة والجلد) [أحكام القرآن: 440/ 2] .

وقال الإمام القرطبي رحمه الله في تفسير قوله تعالى (ومَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ والْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ والنِّسَاءِ والْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا واجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا واجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا) [النساء: 75] : حض على الجهاد، وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب ويفتنونهم عن الدين، فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته، وإظهار دينه واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده وإن كان في ذلك تلف النفوس) [تفسير القرطبي: 5/ 279] .

وقال ابن حجر الهيتمي: (ولو أسروا مسلما فالأصح وجوب النهوض إليهم فورًا على كل قادر) [تحفة المحتاج: 9/ 237] .

قلت: ومما ينبغي التنبيه إليه في هذا السياق أنه لا عهد يصح ولا هدنة تُشرع مع المحاربين ما دام في معتقلاتهم أسير مسلم واحد، بل إن مهادنتهم على فرض صحة انعقادها ابتداءً منقوضة بإصرارهم على أسر بعض المسلمين، وعدم إطلاقهم مهما كانت ذرائعهم أو ذرائع من يبررون فعلتهم ويتلمسون لهم الأعذار والمبررات من بني جلدتنا وغيرهم.

قال الخطيب الشربيني الشافعي [في مغني المحتاج: 4/ 261] معددًا الشروط التي ينبغي أن يخلو عنها عقد الهدنة بين المسلمين والكافرين: (و كذا شرط فاسد) أي يشترط خلو عقد الهدنة من كل شرط فاسد (على الصحيح) المنصوص (بأن شرط منع فك أسرانا) منهم (أو ترك مالنا) الذي استولوا عليه ... أو نحو ذلك من الشروط الفاسدة ... والأصل في منع ما ذُكِر قوله تعالى: (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ) ، وفي اشتراط ذلك إهانة ينبو الإسلام عنها. اهـ.

خامسًا: ذكر محاسنهم والتعريف بقضيتهم وإعلان أمرهم وإشهار مظلمتهم عند من يرجى قيامه بنصرتهم أو العمل على تخليصهم، ويستفاد لتحقيق ذلك من وسائل الإعلام على تنوعها، وكل وسيلة يمكن من خلالها إيصال صوت المستضعفين إلى من يعنيه أمرهم، ويرجى منه نصرهم من الدول والجماعات والأفراد، كما يعرف بمنظمات وهيئات حقوق الإنسان، والمؤسسات الحقوقية، وغيرها.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت