ففي هذه القصة لجوء هؤلاء العشرة وهم عشرة فقط إلى الجبال ليتحصنوا بها ولم يقبلوا الاستسلام ولذا بوب عليه البخاري في موضع آخر (هل يستأسر الرجل ومن لم يستأسر) .
وفي القصة جواز المقاتلة وجواز الاستسلام وكلاهما فعله بعض الصحابة هنا وإن كان القائد عاصم وأكثر من معه لم يقبلوا الاستسلام، ومن قبل الاستسلام فقد قتل بعد الأسر وناله شئ من الإيذاء، ولذا فإننا نختار ألا نستسلم للعدو بأي حال من الأحوال وهذا أخذ بالعزيمة وإنما الاستسلام رخصة كما ذكر ذلك ابن حجر رحمه الله في الفتح (7/ 374) : ونقل عن سفيان الثوري كراهة الاستسلام، قلت: ولا يبعد حرمته للقادة وأهل الشأن خاصة.
ولأن استسلام المجاهد مع ما فيه من الانهزام وشيء من الذل وما فيه من كسر قلوب المسلمين، وثلمةٍ في موقف المجاهدين، وما فيه من سرور العدو وغبطته وشماتته بالمجاهدين والمسلمين عامة ورفع معنوياته ...
مع ما في الاستسلام من جميع تلك المفاسد إلا أنه أيضًا لا يحقق للمستسلم ما خاف على نفسه منه وهو الموت فإنه سيصبر إلى قِتلة أشنع وأذل مما سيقتل عليها لو لم يستسلم هذا إن لم يمر قبل ذلك على التعذيب والتنكيل وانتزاع المعلومات التي قد تضر غيره.
نعود إلى الشاهد من هذه القصة وهو أن هؤلاء الصحابة العشرة رضي الله عنهم لم يعتبروا قضيتهم خاسرة فيستكينوا ....
ولو علم بهم النبي صلى الله عليه و سلم وكان يمكنه مساعدتهم بما يستطيع ما تردد في ذلك وحاشاه حتى وإن أدرك أنهم لن ينجوا مما هم فيه، ولو استقرأنا السنة والسيرة والتاريخ لوقفنا على أمثلة كثيرة من هذا القبيل، ولم ينقل أن النبي صلى الله عليه و سلم توقف في إمداد سرية أو إنقاذ معصوم تذرعا بالإياس من إنقاذه.
وأخيرًا من الذي أوقفنا على حقيقة الأمر وجلى لنا الغيب لنحكم على القضايا الجهادية بأنها قضايا خاسرة ومن الحكمة عدم إضاعة الوقت والمال والأنفس بالرهان عليها وهي خاسرة؟!
وإن على من اعتبر أن القضية الجهادية خاسرة ألا يخذّل غيره وأن يكتفي بكف يده ورفعها وترك من يرى غير ذلك أن يقدم معذرته إلى ربه ويبرئ ذمته وليس عليه منهم من سبيل وما هو عليهم بحفيظ.
والقضية بإذن الله ليست خاسرة .. لأنها بين النصر أو الشهادة وتلك الأمور لا يمكن أبدًا أن يعدها المسلم خسارة بأي حال، قال الله تعالى: {قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ} (التوبة: من الآية52) ، فسماهما الله حسنيين وبين تلك الحسنيين بقوله: {وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ} (آل عمران: 169 - 171) ، فنيل الشهادة لذاتها والبحث عنها في كل موطن يعد غاية ومقصودًا للمسلم وهذا الأمر يدل عليه أكثر من ثلاثين دليلًا من الكتاب والسنة، سوى أقوال أهل العلم في ذلك ولا مجال للإطالة في ذكرها ولعلنا نقف معها في مواطن أخرى، والحسنى الثانية التي بينها الله في كتابه هي {وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ اللَّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ} (الصف:13)