فهرس الكتاب

الصفحة 533 من 743

أما إن كان المقصود بعدم مخاطبة ناقص الإيمان بالآيات المذكورة، أن الفاسق المرتكب للمحرمات كالزنا وشرب الخمر والسرقة ونحو ذلك لا نخاطبه بالجهاد ولا بالإعداد حتى يقلع عما هو فيه من الفسق والفجور فهذا ما لا دليل عليه من الكتاب ولا السنة، وليس لأحد من المسلمين أن يسقط التكاليف الشرعية والأوامر القرآنية عن أحد بدعاوى لا تعتمد على دليل واضح جلي، وإلا لأمكن لكل أحد أن يتفلت من تلك الأوامر بأي وسيلة شاء وتحت أية ذريعة أراد.

هذا والأدلة من الكتاب والسنة على بطلان هذا القول لا تكاد تحصى:

أولها: أن الأوامر التي جاءت تأمر بالجهاد والإعداد جاءت مطلقة لم تفرق بين مؤمن ومؤمن ولم تخص تقي عن شقي ولا عدل عن فاسق بل كل من صح أن يطلق عليه اسم الإيمان - هو شامل للمراتب الثلاثة المذكورة - فهو مخاطب بها كغيرها من الأوامر، فكما لا يجوز لأحد أن يقول إن قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) ، خاص بكاملي الإيمان، فكذا لا يجوز له أن يقول إن قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ) خاص بهم، وما يقال في تلك الآية يقابل بمثله في هذه، ومن ذلك قوله تعالى: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) ، وهذه الآية تنص على أن المؤمنين الذين كمل إيمانهم واستحقوا التزكية من الله تعالى هم الذين آمنوا به وبرسوله ولم يشكوا أو يرتابوا في وقت من الأوقات ثم جاهدوا في سبيل ذلك الإيمان بأموالهم وأنفسهم فهؤلاء هم الذين صدقوا في أنهم مؤمنون حقا، وهذا يبين أن المرء لا يمكن أن يكون مؤمنا حق الإيمان كاملا فيه حتى يجاهد بنفسه وماله.

قال الإمام ابن كثير في تفسير هذه الآية: (أي إنما المؤمنون الكمل(الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) أي لم يشكوا ولا تزلزلوا بل ثبتوا على حالة واحدة وهي التصديق المحض: (وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ، أي وبذلوا مهجهم ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) أي في قولهم إذا قالوا إنهم مؤمنون) [تفسير ابن كثير 4/ 220 [.

ومن ذلك أن المرء يحتاج إلى أعمال صالحة تذهب عنه درن السيئات وران الموبقات، والجهاد من أعظم الأبواب التي ينال بها المسلم هذه المزية كما قال سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ * تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ *) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، فالآية نصت على أن الجهاد هو أحد الطاعات التي يغفر الله بها الذنوب ويكفر الخطايا، ولم تفصل نوع تلك السيئات فقد تكون من الكبائر أو من الصغائر.

فالفاسق الذي ابتلي بارتكاب المعاصي واقتراف الآثام أولى له أن يجتهد في أداء هذه العبادة، لمحو ما سيئاته وذنوبه، وينبغي أن يحض على القيام بها لا أن يمنع منها ويجعل بينه وبينها حواجز وموانع ما أنزل الله بها من سلطان.

وفي هذا قال شيخ الإسلام رحمه الله: (ومن كان كثير الذنوب فأعظم دوائه الجهاد فان الله عز وجل يغفر ذنوبه كما أخبر الله في كتابه بقوله سبحانه وتعالى:(يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) [مجموع الفتاوى 28/ 421 [.

وأما الأحاديث:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت