لكن الشق الثاني حدد لنا المراد بما تقدم من الفهم المنحرف، لأنّه قال: تقُم على أرضكم. ولو سألناه من سيقيمها لنا على الأرض؟ فلن يكون الجواب أبدًا نحن، لأننا نحن مكلّفون فقط بأن نّقيمها في قلوبنا، بل الجواب المجزوم بقوله هو: الله. وهذا الجواب مع ضلاله الشّرعي و مخالفته لأمر الله، إلا أنه للأسف يستهوي بعض النّاس حين يظنّ أن في ذلك تعظيما لشأن الله تعالى، وما دروا أنّه استخفاف بتوحيد الله سبحانه وتعالى، وهو جواب جبريّ يناقض توحيد القدر وأوصل إليها كما تقدّم: الضلال في توحيد الشّرع حين جعل أن حركة الجوارح ليست هي المطلوبة في الشّريعة. بل المكلّف بذلك هو القلب وهو قول مذهب أهل الإرجاء الضّال .. فالعبارة كما هي عند أصحابها: أقيموا دولة الإسلام في قلوبكم (إرجاء بدعي) تقم لكم على أرضكم (جبر بدعيّ) .
والآن أين هذا من دين الصّوفية؟.
شعار الصّوفية الذي يسعى الصّوفي الملتزم لتحقيقه، هو خروجه من إنسانيته، بتحرره من الإرادة، ومن أهم الشّعارات لديهم: أريد أن لا أريد .. وعامّة مجاهداتهم الباطلة تسعى إلى هذا المقام، وهو تحرره من الطّباع الإنسيّة، وهي الّتي يحلو لهم، ولبعض من تأثّر بهم أن يسمّيها بالبهيمية: ومن أمثلتها: حبّ النّساء، شهوة التّملّك والاقتناء، حاجة المأكل والمشرب والملبس، فطرة الاجتماع والمدنيّة والعمران، وهي أمور بشرية فطرية لا يمكن للإنسان أن ينخلع منها، ولا أن تذهب عنه، لكن سعي الصوفيّ الدائم إلى التّحرر منها أوصله إلى الجنون، وهو الّذي لاحظه الإمام الشّافعي قديمًا فيهم حين قال: لم يتصوّف رجل عاقل قط واتت عليه صلاة العصر إلاّ وهو مجنون، فالصّوفي يسعى إلى تحرره من الإرادة البشرية فيه، ولما دخلت الصّوفية إلى الإسلام فإنها حاولت أن تجد لها الدّليل الإسلامي لبدعتها هذه، لتستخدمه في نشر فكرتها وشعارها، فكان مذهب الجبر هو خير معين على ذلك، وخاصة حين صار الجبريّة، وهم الأشاعرة، هم أئمّة المسلمين في عصور التّخلّف والانحطاط، والأشاعرة يقولون بمذهب الكسب، وهو يعني احترام وجود إرادة قلبية للإنسان لكنه لا تأثير لها ولا قيمة لوجودها، أي إرادة غير مؤثّرة.
وإن شاء الله يكون في المقال القادم تفسير يوضّح أن دعاة التّصفية والتّربية، هم صوفية المنهج والطّريقة، بما لا يدع مجالًا للشّك عند الأخ المسلم المجاهد.
وللطّرافة فإن هذا السّلفيّ الصّوفي وهو الذي قلنا عنه في مقالات سابقة أنه سلفي مزعوم يلتقي مع الصّوفي في نقاط عمل كثيرة تجمع بين منهجيهما، ومن هذه النّقاط:
1 -الصّوفيّ شعاره: السّياسة تياسة (نسبة للتّيس وهو لفظ يطلق للدّلالة على الغباء) ، والسّلفي المزعوم شعاره: من السّياسة ترك السّياسة (قالها السّلفي في بعض أشرطته) ، فكلاهما يحرّم السّياسة على أتباعه، ويجعلها رجسا من عمل الشّيطان فاجتنبوه.
2 -الصّوفيّ شعاره: كلامنا إمّا فوق السّماء، و إما تحت الأرض، ويعني بها أنّ حديث الصوفي لا ينبغي أن يكون إلاّ في أمور الغيب (فوق السّماء: كالملائكة والعرش) وتحت الأرض (القبور والأموات) ، وهو يدل على أنّه لا ينبغي للصّوفي أن يتحدّث في شئون الأحياء لأنّها تشتّت الهمّة، وتفرّق القلب، وتحبّب في الحياة الدُّنيا، والسّلفي المزعوم شعاره ودينه محاربة الأموات من أصحاب القبور، وأتباع البدع المنسيّة الغائبة.
3 -شعار السّلفي المزعوم المعاصر: دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله (قالها محمد أبو شقرة، وهو سلفي مزعوم في كتابه "هي السّلفية") ، والصوفي هو الّذي نشر في أمّتنا مقولة: قيصر هو ظلّ الله في الأرض، من أهان سلطان الله أهانه الله.
شبهات ذات علاقة: