فهرس الكتاب

الصفحة 543 من 743

1 -أن هذا الخطاب المتقدّم يقرّ به على الإجمال أصحاب التّربية المعاصرة، فإنّهم يقولون إنّ مرحلة التّربية تتمّ عن طريق الأعمال الصّالحة من صلاة وصوم وذكر وقيام وأعمال صالحة أخرى، لكنّهم حين يكون الأمر يتعلّق بالجهاد من اجل إقامة الحق الإلهيّ في الأرض، فإنّهم ينتكسون ويقولون أن على المسلمين أن يتربوا قبل أن يجاهدوا، والسّؤال الموجّه إليهم: لو قال لكم قائل: على المسلمين أن يتربّوا قبل أن يصلّوا، أو عليهم أن يتربّوا قبل أن يصوموا، فماذا سيكون الجواب؟ قطعا سيقول السّامع: إنّ هذا الكلام يهرف به صاحبه ولا يعقل ما يقول، لأنّ الصّلاة هي نفسها تربية، وكذلك الصّيام، وكذلك الزّكاة، وجميع الأعمال الصّالحة، فلماذا يختلف الأمر حين يكون الحديث عن الجهاد؟.

أليس الجهاد هو أعظم مسالك التّربية؟.

وهل الجهاد إلا مرحلة من مراحل إعداد المرء المؤمن لدخول الجنان يوم لقاء الله تعالى؟.

أليس في الجهاد فتنة للنّفوس لتتخلّص من حبّ الدّنيا ومن الأنانيّة؟.

أليس في الجهاد يحصل أعظم درجات التّوكّل واليقين على موعود الله تعالى؟.

وعلى هذا فالتّربية بتطبيق الأمر الإلهي بالجهاد وليست هي مرحلة تسبق الجهاد في سبيل الله تعالى.

وقد يقتنص بعضهم حادثة أو حوادث من ممارسات المجاهدين غير المنضبطة ليتّخذها ذريعة على قوله، فإنّه قد يقع بعض المجاهدين في بعض الأخطاء الشّرعية، وهذا أمر يقع في كلّ التّجمّعات (حتى التّجمّع من أجل صلاة الجماعة) ، فيسارع هؤلاء المنفلتون من المصحّات العقلية في تضخيم الحدث، وتسويقه بين النّاس، وإشاعته عن المجاهدين حتّى ينفر النّاس منهم، وليدلّلوا بهذا الحدث أو الحوادث على صواب رأيهم أن الأمّة لم تبلغ بعدُ المرحلة الّتي ينبغي أن تجاهد عندها.

والجواب على هذه التّصوّرات القبيحة الّتي يقع بها هؤلاء من وجوه، أهمّها:

أولًا: من المعلوم في علوم أهل السنّة أنه قد يجمع الرّجل الواحد إيمانًا وضلالًا، صلاحًا وفسادًا في آن واحد، لأنّ الإيمان عندنا يتجزّأ، وعلى هذا فقد يجتمع في الرّجل المسلم المجاهد بعض الصّفات المذمومة، وهذا واقع في كلّ أطوار البشرية وفي كلّ تجمّعاتها. فما هو السّبيل الحقّ في معالجة هذه الحالة؟.

أهل الانحراف من أصحاب مفهوم التّربية العصريّة يطرحون الأسلوب التّالي وهو: أنّه ينبغي على الشّخص أن يترك الجهاد (الخير) حتى يتخلّص من الشّر.

وعلى قاعدتهم هذه فإنّ من جمع ضلالًا وصلاحًا فالواجب عليه أن يترك الصّلاح فيه حتى يذهب الباطل فيه؟!!، وهو قول يكفي أن يردّه العاقل حين تصوّره له.

وأمّا الحكم الشّرعي في هذه الواقعة: فهو تثبيت الحقّ لديه ودعمه وتجذيره، مع محاولة تقويمه وإرشاده بالإقلاع عن الباطل الذي لديه.

ثانيًا: لو أردنا أن نقتنص السيّئات في هذه التّجمعات التي تزعم التّربية المعاصرة أو نعدّه عليهم لملأت الكراريس والدّفاتر، وحينئذٍ فسيّئاتهم تكون مضعّفة لأنّهم يزعمون التّربية بخلاف غيرهم.

ثالثًا: قال الرسول صلى الله عليه وسلم: (كلّ ابن آدم خطّاء وخير الخطّائين التوّابون) ، وعصمة الأفراد والتجمّعات من الأخطاء لن تكون في هذه الدّنيا.

2 -أن التّربية ليست مرحلة زمنيّة ثمّ تنتهي، بل هي تزكية للنّفس حتّى الممات، ولا تتوقّف عند حدٍّ معيّن كما هي في الدّين الصّوفي كما سنبيّن، فهؤلاء حين يتصوّرون أن إقامة الإسلام يتمّ عن طريق تربية النّفس التي تسبق هذه الإقامة هم مخالفون لأبجديّات هذا الدّين العظيم.

مواضيع أخرى متعلقة:

بماذا نرد على من يشترط التربية قبل الجهاد؟

مقال: بين دعاة التربية ودعاة الإرجاء

شبهات ذات علاقة:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت