لا شك أن الإجابة على هذا يفهمها صغار الطلبة فضلًا عمن ينتسب إلى العلم والدعوة والدعاة، إذ لا حجة بشيء في ديننا إلا بقول الله وبقول الرسول صلى الله عليه وسلم.
أوليس ابن عباس نفسه هو القائل ردًا على من احتج عليه في شأن متعة الحج بفعل أبي بكر وعمر، وهما هما - رضي الله عنهما: "توشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء، أقول قالها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتقولون قال أبو بكر وقال عمر".
ونقول تكرارًا حاشا ابن عباس أن يخلط أو يخبط أو يخالف في أصل من أصول الدين كهذا، وهو ترجمان القرآن .. ولكن المقصود التذكير بأن قول الصحابي ليس بدين ولا هو بحجة في دين الله عند النزاع [9] ، فكيف إذا افترض أنه معارض لقول الله تعالى أو قول رسوله صلى الله عليه وسلم ..
وإنما اضطرنا إلى التذكير بهذه البدهيات ما نسمعه مرارًا وتكرارًا من مرجئة زماننا المجادلين عن الطواغيت، من التقديم بين يدي الله ومعارضة كلامه الواضح البيّن في شرك اتخاذ الخلق أربابًا بالتشريع والتحليل والتحريم، بتلك المقولة المنسوبة لابن عباس (كفر دون كفر) ..
[1] قد يكون مقصود ابن معين، صلاح الدين وقد تكون هذه صيغة من صيغ التضعيف والتمريض فإنه والإمام أحمد يفعلان ذلك. قال ابن حبان في ترجمة عبد الرحمن بن سليمان بن عبد الله بن حنظلة الأنصاري: "كان يخطىء ويهم كثيرًا، مرََّّض القول فيه أحمد ويحيى وقالا: صالح" ا. هـ انظر مقدمة الفتح لابن حجر، وانظر المجروحين لابن حبان.
[2] قلت: وكذا رواه مسلم بن نصر المروزي في تعظيم قدر الصلاة ص (570) ، وفي هذه الطريق الصحيحة التصريح بأن قوله: "وليس كمن كفر بالله ... " الخ، مدرج من قول ابن طاووس، وليس هو من قول ابن عباس كما قد يفهم من ظاهر رواية (سفيان عن معمر) المجملة عند الطبري، فهذه الرواية مبينة لها، هذا على فرض صحة تلك الرواية، إذ قد ضعفها بعض أهل الحديث لعنعنة سفيان إذ هو متهم بالتدليس.
[3] وهو مستفاد ومختصر من رد الشيخ أبي أيوب بن نور البرقوي على من صحح هذه اللفظة، أحببت إيراده هاهنا، كزيادة في الفائدة لطالب الحق، ولم أعوّل في الاعتماد على تضعيف الأثر كثيرًا، إذ معلوم لديّ أن معناه ثابت عن بعض السلف، وإنما تعويلي على ما يأتي بعد هذا ..
[4] لما قرىء كتاب التحكيم على الناس وسمعه عروة بن حدير أخو أبي بلال قال: أتحكّمون في دين الله الرجال (لا حكم إلا لله) وشد بسيفه، فضرب دابة من قرأ الكتاب، وكان ذلك أول ما ظهر الخوارج. انظر الفرق بين الفرق في (ذكر المحكمة الأولى) والبداية والنهاية (7/ 278) وغيرها ..
[5] إذ أن كثيرًا من السلف كالإمام أحمد، عند كلامه على قوله تعالى: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) [المائدة: 44] ينقلون ما اشتهر حول هذه الآية من مقالات الصحابة والتابعين، ويفسرونها بتلك الأقوال لأنهم يعرفون مناطها الذي قيلت فيه فيقرون تلك الأقوال ويستشهدون بها في مناطها أو نظائره، فلا يحل نقل أقوالهم واستشهادهم إلى غير مناطها .. إذ ذلك كذب عليهم وتقويل لهم ما لم يقولوه .. إلا بدليل من كلامهم يدل على أنهم أنزلوها في أمثال واقعنا اليوم، وحاشاهم عن أمثال هذه الأفهام السقيمة .. ومع ذلك فلا معصوم بعد النبي صلى الله عليه وسلم، فإن حصل مثل ذلك من أحد منهم، فسوف نقول: "كل يؤخذ من قوله ويرد إلا النبي صلى الله عليه وسلم".