فهرس الكتاب

الصفحة 596 من 743

ويقول ص (367) : "وهذا الواقع قد تجاوز مرتبة المعصية أو البدعة بل قد تجاوز التشريع المطلق إلى ما وراء ذلك، كيف تختلط قضية المعاصي بقضية التشريع مع ما بينهما من البون الشاسع؟ ".

"وإذا كانت البدعة متميزة عن المعصية بفوارق واضحة جدًا، وما ذلك إلا لوضعها على مضاهاة التشريع. أفلا يتضح الفرق بين المعصية والتشريع المطلق؟ " اهـ.

ويمكننا أن نقول في خلاصة هذا الموضع أن لفظة التحريم، لفظة مشتركة مثل بقية الألفاظ التي تحمل أكثر من معنى، فبعض معانيها لغوي أو عرفي وبعضها شرعي .. كلفظة الإيمان فإنها في اللغة التصديق ولكن الله تعالى نقلها إلى مسمى ومعنى شرعي غير المعنى اللغوي فزادها قول اللسان وعمل القلب والجوارح، وكذلك الكفر فكما أن للكفر معناه اللغوي وأصله تغطية الشيء، فيدخل فيه كفران العشير وكفران النعمة وغير ذلك من الأعمال التي يطلق عليها الله تعالى لفظة الكفر، ولا يراد بها الكفر الناقل عن الملة ومنها - كما عرفت - ما هو ناقل عن الملة.

وكذلك الشأن في لفظة التحريم هذه .. فإنها تطلق على معان - وإن كانت مذمومة قد نهى الله تعالى عنها - ولكنها لا تصل إلى الشرك والكفر، كالامتناع عن بعض الطيبات التي أحلها الله تعالى سواء بالأَيْمان أو زهدًا وتقشفًا ورهبانية [3] وكذلك تطلق على التشريع الذي إن صرف إلى غير الله سبحانه كان شركًا وكفرًا أكبر مخرجا عن ملة الإسلام.

فالله عز وجل يسمي ما يشاء بما شاء، ونحن ليس لنا من الأمر شيء إلا أن نقول سمعنا وأطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير .. يقول ابن حزم رحمه الله تعالى في الفصل (3/ 229) : "إننا لا نسمي في الشريعة اسمًا إلا بأن يأمرنا الله تعالى أن نسميه، أو يبيح لنا الله بالنص أن نسميه، لأننا لا ندري مراد الله عز وجل منا إلا بوحي وارد من عنده، ومع هذا فإن الله عز وجل يقول منكرًا لمن سمى في الشريعة شيئًا بغير إذنه عز وجل: (إِنْ هِيَ إِلَّا أَسْمَاءٌ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى * أَمْ لِلْإِنْسَانِ مَا تَمَنَّى) [النجم: 23 - 24] .

فصح أنه لا تسمية مباحة لملك ولا لنبي دون الله تعالى، ومن خالف هذا فقد افترى على الله عز وجل الكذب، وخالف القرآن .. " اهـ.

[1] وهذا تعبير صحيح لا نفتريه عليهم ولا نظلمهم أو نبهتهم به، فنحن نخاطب هنا بصفة خاصة أولئك المجادلين عن الطغاة، الذين يصرّحون دومًا بعدم البراءة منهم، بل هم لهم أنصار وجند محضرون متطوعون يذبون عنهم ويدافعون في كل واد وناد، بل ويرمون من كفرهم بمذهب الخوارج!! ومن هذا تعرف أن مساواتهم بالمرجئة الأوائل ظلم لأولئك، ومعاذ الله أن نساويهم بهم، وإنما تشبيههم في التسمية، من باب ما ورثوه عنهم من شبهات .. ولذا ميزناهم بنسبتهم إلى عصرنا.

[2] وليس له إلا كفارة واحدة فقط، وهي كفارة الردة أعني "التوبة والعودة إلى الإسلام" وإلا فالسيف ..

[3] ولعل إطلاق لفظة التحريم في حق هؤلاء يكون من باب التنفير عن هذا الفعل المذموم وتعظيمه، والتنفير عن مشابهة سبيل المشركين وشركائهم المشرعين، مثلما يطلق الله تعالى لفظة الكفر على لسان نبيه صلى الله عليه وسلم في شأن كثير من الذنوب التي لا تخرج من الملة تنفيرًا منها وتعظيمًا لجرمها، حتى كان بعض السلف لا يخوضون في تأويلها عن ظاهرها لتكون أبلغ في الردع والزجر فإن معصية سماها الله كفرًا ليست كغيرها.

شبهات ذات علاقة:

شبهة: بل (كذبة) أن الحجّاج كان مشرعًا ولم يكفره السلف

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت