فهرس الكتاب

الصفحة 607 من 743

يقول ابن كثير رحمه الله تعالى: "فدل على أن من لم يتحاكم في محل النزاع إلى الكتاب والسنة، ولا يرجع إليهما في ذلك فليس مؤمنًا بالله ولا باليوم الآخر" اهـ.

وذكر الإيمان باليوم الآخر في الآية يقطع شبهة القول بكمال الإيمان لأنه شعبة من شعب الإيمان الرئيسة التي يزول بزوالها أصل الإيمان ومنه قوله تعالى قبلها أيضًا: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالًا بَعِيدًا * وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا) [النساء: 60 - 61] .

فإذا كانت إرادة التحاكم إلى الطاغوت، مناقضة للكفر به الذي افترضه الله على العباد وأمرهم به .. فكيف بالتحاكم نفسه، بل كيف بما هو حاصل اليوم من جعل السلطة التشريعية كاملة وفي كل باب بيد الطاغوت وحقًا من حقوقه .. سواء كان هذا الطاغوت (دوليًا) أم (محليًا) أو كان (أميرًا) أم (نائبًا) أو كان (ميثاقًا) أم (دستورًا) .

ومعلوم من أصل دين الإسلام أن الكفر بالطاغوت ركن التوحيد وشرط صحة للإيمان بالله لا شرط كمال .. والإيمان بالطاغوت كفر بالله ناقض لأصل الإيمان والتوحيد والإسلام، فالمكذّب المنفي إذن في هذه الآية هو أصل الإيمان وحقيقته لا كماله الواجب، فضلًا عن المستحب ..

وهكذا فسياق الآيات كلها قبل آية الباب هو حول انتفاء أصل الإيمان لا كماله، ثم جاءت هذه الآية نصًا في الموضوع نفسه ..

وهذا كسابقه، فالقائل بهذا مستصحب لأصل الخطاب المتضمن في السياق .. والمخرج لها عن ذلك خارج عن هذا الأصل مطالب بالدليل ..

* أما الحرج المذكور في الآية فهو ليس قيدًا لنفي حقيقة الإيمان هنا، أو قيدًا في كفر من امتنع من التسليم لحكم الله، وإنما وجوده - كما تقدم - زيادة في الكفر .. فالمتحرّج من شرع الله كافر سواء حَكّمَه أم لم يُحكّمْه ..

والممتنع من التسليم لحكم الله كافر وإن لم يظهر التحرّج منه .. وقد يجتمع الكفران في شقي فيكون كفره كفرًا مركبًا .. فهو إذن زيادة حكم لا قيدٌ للحكم ..

يقول الجصاص في (أحكام القرآن) عن هذه الآية بعد أن ذكر بعض معاني الحرج ومنها الضيق أو الشك: "وفي هذه الآية دلالة على أن من رد شيئًا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسوله صلى الله عليه وسلم فهو خارج من الإسلام.

سواء رده من جهة الشك ..

أو ترك القبول والامتناع من التسليم ..

وذلك يوجب صحة ما ذهب إليه الصحابة في حكمهم بارتداد من امتنع عن أداء الزكاة وقتلهم وسبي ذراريهم، لأن الله تعالى حكم بأن من لم يسلم للنبي صلى الله عليه وسلم فليس من أهل الإيمان" اهـ.

ويقول ابن حزم في (الفِصَل) عن الآية ذاتها (3/ 235) : "فنص تعالى وأقسم بنفسه أنه لا يكون مؤمنًا إلا بتحكيم النبي صلى الله عليه وسلم في كل ما عَنّ، ثم يسلم بقلبه ولا يجد في نفسه حرجًا مما قضى.

فصح أن التحكيم شيء غير التسليم بالقلب، وأنه هو الإيمان الذي لا إيمان لمن لم يأت به" اهـ.

والخلاصة يا أخا التوحيد، أن قضيتنا كما قلنا مرارا، مع أناس قد هدموا التوحيد فآمنوا بالطاغوت .. ولم يكفروا به .. وهذا ناقض من نواقض الإسلام والإيمان، وعمل كفري ظاهر لا يبحث فيه عن الاعتقاد او الاستحلال القلبي أو التحرج القلبي، ولا يجعل ذلك قيدًا للكفر ها هنا .. إذ هذه أمور مغيبة وأسباب للكفر غير ظاهرة ولا منضبطة في أحكام الدنيا، ولا سبيل إلى معرفتها إلا من جهتين:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت