فهرس الكتاب

الصفحة 628 من 743

وأما كون هذا الأثر ينص على أن الصحابة لا يرون من شعب الإيمان العملية ما يكفر تاركه إلا الصلاة، فلا ينبغي فهمه على أنه إجماع منهم رضي الله تعالى عنهم أجمعين، بل أقصى ما يقال فيه أنه قول طائفة منهم، وأُطلق القول فيه تعظيمًا لشأنها، لأن منطوقه معارض مخالف بأقوال طائفة من الصحابة وأتباعهم، خصوصًا فيما يسميه ابن تيمية بـ (المباني) ، وهذا مبسوط في محله قد ذكره أهل العلم فيما صنفوه من كتب الإيمان .. بل هو معارض بإجماع الصحابة على قتال مانعي الزكاة قتال ردة، فقد انعقد إجماعهم بعد المناظرة التي جرت بين أبي بكر وعمر على قتالهم، ومعلوم أن كثيرًا منهم لم يجحدها وإنما منعها منعًا مجردًا، ومع هذا قاتلهم الصحابة جميعًا وكان قتالهم قتال أهل ردة فاستحلوا دماءهم وأموالهم بل وسبوا نساءهم وما (محمد بن الحنفية) بن علي بن أبي طالب، إلا ابن إمرأة من ذلك السبي .. وعد هذا الفعل من مناقب الصديق رضوان الله عليه .. فكيف إذا كانت قضيتنا هي (الكفر بالطاغوت) الذي ليس هو شعبة كسائر تلك الشعب، بل هو أعلاها وأعظمها فهو شطر أصل الإيمان وقاعدته.

يقول الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن آل الشيخ في (مصباح الظلام) : "وأصل الإسلام ومبانيه لها شأن ليس لغيرها من السنن، ولذلك يكفر جاحدها ويقاتل عليها .. بل يكفر تاركها عند جمهور السلف بمجرد الترك" اهـ [1] .

وقد ذكر شيخ الإسلام أقوالهم حول ذلك في مواضع كثيرة من فتاويه انظر (7/ 302) حيث قال: "وعن أحمد في ذلك نزاع، وإحدى الروايات عنه أنه يكفر بترك واحدة منها - وهو اختيار أبي بكر وطائفة من أصحاب مالك كابن حبيب.

وعنه رواية ثانية: لا يكفر إلا بترك الصلاة والزكاة فقط.

ورواية ثالثة: لا يكفر إلا بترك الصلاة، والزكاة إذا قاتل عليها الإمام.

ورابعة: لا يكفر إلا بترك الصلاة [2] .

وخامسة: لا يكفر بترك شيء منهن .. وهذه أقوال معروفة للسلف" اهـ.

وكذا ص (7/ 259) وفيه قوله: "وكذلك عنه رواية أنه يكفر بترك الصيام والحج، إذا عزم أنه لا يحج أبدًا" اهـ.

ونقل عن الحكم بن عتبة (7/ 302) قوله: "من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر، ومن ترك الزكاة متعمدًا فقد كفر. ومن ترك الحج متعمدًا فقد كفر ومن ترك صوم رمضان متعمدًا فقد كفر" وعن سعيد بن جبير: "من ترك الصلاة متعمدًا فقد كفر بالله، ومن ترك الزكاة متعمدًا فقد كفر بالله، ومن ترك صوم رمضان متعمدًا فقد كفر بالله" اهـ.

ونقل عن محمد بن نصر المروزي (333/ 7) : "فمن كان ظاهره أعمال الإسلام ولا يرجع إلى عقود الإيمان بالغيب فهو منافق نفاقًا ينقل عن الملة. ومن كان عقده الإيمان بالغيب ولا يعمل بأحكام الإيمان وشرائع الإسلام فهو كافر كفرًا لا يثبت معه توحيد".

ويقول عبد الله بن الإمام أحمد بن حنبل في كتاب السنة (1/ 347) : حدثنا سويد ابن سعيد الهروي قال: سألنا سفيان بن عيينة عن الإرجاء.

فقال: "يقولون الإيمان قول، ونحن نقول الإيمان قول وعمل، والمرجئة أوجبوا الجنة لمن شهد أن لا إله إلا الله مصرّا بقلبه على ترك الفرائض وسموا ترك الفرائض ذنبًا بمنزلة ركوب المحارم، وليسوا بسواء. لأن ركوب المحارم من غير استحلال معصية، وترك الفرائض متعمدًا من غير جهل ولا عذر هو كفر.

وبيان ذلك في أمر آدم صلوات الله عليه وإبليس وعلماء اليهود.

-أما آدم، فنهاه الله عز وجل عن أكل الشجرة وحرمها عليه فأكل منها متعمدًا ليكون مَلكًا أو يكون من الخالدين فسمي عاصيًا من غير كفر.

-وأما إبليس لعنه الله فإنه فرض عليه سجدة واحدة فجحدها متعمدًا فسمي كافرًا.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت