فهرس الكتاب
شبهة (ولا نكفر مسلمًا بذنب ما لم يستحلّه)
] الإجابة للشيخ أبي محمد المقدسي - فك الله أسره - في كتابه (إمتاع النظر في كشف شبهات مرجئة العصر) [
وهكذا، فإذا كنت قد فهمت ما تقدم كله، فلا بد أنه قد ظهر لك أن قولهم: "ولا نكفر مسلمًا بذنب ما لم يستحله" ليس على إطلاقه، بل لا بد أن يُقيّد هذا بقيد، فنقول: "لا نكفر مسلمًا بذنب غير مكفر ما لم يستحله".
بدليل أن الاستهزاء بالله ودينه ذنب، وسب الله ورسوله ذنب، والسجود للصنم ذنب، ورمي المصحف في القذر ذنب، وقتل الأنبياء ذنب، والتشريع مع الله ذنب، ومع هذا فقد علمت أن فاعل ذلك كله كافر استحله أم لم يستحله .. فالذنوب منها ما هو من المكفرات، ومنها ما هو معاص مجردة لا تخرج من دائرة الإسلام، فلا يقال للأول عند التكفير استحل أو لم يستحل، بخلاف الثاني فلا بد من ذلك لأن الأصل في فاعلها أنه فاسق مِلّي وليس بكافر ..
ثم هذه المقولة ليست قرآنًا منزّلًا حتى يعارض بها كلام الله وكلام الرسول كما يفعل جهال مرجئة العصر، بل الحق ضبطها وتقييدها بكلام الله وكلام الرسول.
وإن كان بعضهم يرفعها ويجعلها من كلام النبي صلى الله عليه وسلم فإن ذلك لا يصح وهو حديث موضوع لا أصل له كما ذكر ابن القيم في بدائع الفوائد (4/ 42) .
-ومن هذا القبيل ما يروى عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ثلاث من أصل الإيمان: الكف عمن قال لا إله إلا الله ولا نكفره بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل .. الحديث .. " رواه أبو داود وأبو يعلى وهو حديث لا يصح، يرويه عن أنس يزيد الرقاشي، قال أبو حاتم: أكثر الرواية عن أنس بما فيه نظر وفي حديثه ضعف. وقال ابن حبان: غفل عن حفظ الحديث شغلًا بالعبادة حتى كان يقلب كلام الحسن فيجعله عن أنس عن النبي صلى الله عليه وسلم فلا تحل الرواية عنه إلا على جهة التعجب [1] .
-ومثله ما يرويه الطبراني في الكبير عن ابن عمر مرفوعًا: "كُفّوا عن أهل لا إله إلا الله ولا تكفروهم بذنب، من كفر أهل لا إله إلا الله فهو إلى الكفر أقرب".
وفيه الضحاك بن حُمرة وعلي بن زيد بن جدعان وهما ضعيفان .. فهذه هي بضاعة القوم كلها آثار ضعيفة متكلم فيها .. وحتى لو ثبت شيء منها أو في معناها، فينبغي أن تحمل على مبينها من الكتاب والسنة، فتفهم كما فهمها السلف لا كما يهوى مرجئة العصر ويشتهون، فيحمل ذلك على من حقق التوحيد واجتنب النواقض والشرك والتنديد، كما جاء في بعض الأحاديث المبينة لهذا، ومنها قول النبي صلى الله عليه وسلم: "من قال لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله؛ حرم ماله ودمه وحسابه على الله عز وجل" رواه مسلم.
يقول الشيخ محمد بن عبد الوهاب: "وهذا من أعظم ما يبين لك معنى لا إله إلا الله، فإنه لم يجعل التلفظ بها عاصمًا للدم والمال، بل ولا معرفة معناها مع لفظها، بل ولا الإقرار بذلك، بل ولا كونه لا يدعو إلا الله وحده لا شريك له. بل لا يحرم دمه وماله حتى يضيف إلى ذلك الكفر بما يعبد من دون الله" اهـ.
ومعلوم أن النفي في كلمة (لا إله إلا الله) يحتوي على معان منها المعنى الذي فصّله الحديث بقوله: "وكفر بما يعبد من دون الله" فتأكيد هذا المعنى عقبها مع أنه مستفاد منها يدل على أنه أجل معانيها وأهمها .. وسيأتي بسط الكلام في هذا عند شبهة "أنهم يقولون لا إله إلا الله ويصلون".
وهكذا الحال في لفظة "أهل القبلة" التي يذكرها السلف في أشباه هذه المقولة. فعن جابر رضي الله عنه أنه قيل له: "هل كنتم تدعون أحدًا من أهل القبلة مشركًا؟ قال: معاذ الله ففزع لذلك. قال: هل كنتم تدعون أحدًا منهم كافرًا قال: لا" رواه أبو يعلى والطبراني في الكبير.