فهرس الكتاب

الصفحة 638 من 743

ويقول حفيده الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن في كتابه (مصباح الظلام) : "وجميع - هذه الاعتراضات - بناء على معتقد باطل، وهو أن من تفوه بالشهادتين لا يضره ذنب، ولا يخل بإيمانه ولا ينقض إسلامه شرك ولا تجهم .. ولا غير ذلك من المكفرات .. حتى المباني لا تعتبر عند هؤلاء الضلال .. ومعرفة هذا القول وتصوره يكفي في بطلانه عند من عرف الإسلام" اهـ ص (114) مختصرًا.

ويقول أيضًا في الدرر السنية: "وأهل العلم والإيمان لا يختلفون في أن من صدر منه قول أو فعل يقتضي كفره أو شركه أو فسقه أنه يحكم عليه بمقتضى ذلك، وإن كان ممن يقر بالشهادتين ويأتي ببعض الأركان، وإنما يكف عن الكافر الأصلي إذا أتى بهما، ولم يتبين منه خلافها ومناقضتها، وهذا لا يخفى على صغار الطلبة" اهـ [8] .

قلت: ومع هذا يجادل فيه شيوخ مرجئة زماننا وكبار رؤوسهم، فضلًا عن مقلدتهم ورعاعهم .. وهذا ما جعل من أكثرهم جندًا محضرين للطواغيت، وأنصارًا متطوعين يجادلون عنهم ويذودون، ويدفعون في صدر نصوص الكتاب والسنة بشبهاتهم الساقطة، وبأقوالهم الضالة المتهافتة التي لا تروج على من عرف التوحيد وحقيقته.

وهكذا فإن النصوص التي ذكر فيها تعلق العصمة ودخول الجنة بقول لا إله إلا الله، جاءت أحيانًا مطلقة، وأحيانًا أخرى مقيدة باليقين أو الإخلاص أو العلم. وأحيانًا ربطت معها حقوقها من الصلاة والزكاة وهكذا [9] .

وجميعها نصوص تتكلم في حكم وسبب واحد، فيحمل المطلق فيها على المقيد كما هي طريقة أهل العلم .. وهؤلاء المرجئة كغيرهم من فرق الضلالة، همج رعاع لا يأخذون من العلم إلا ما وافق أهواءهم، فينطلقون إلى تلك النصوص المطلقة، فيبنون عليها مذاهبهم الفاسدة وشبهاتهم الساقطة التي عرفت، ويكتمون مقيداتها. وهذه في الحقيقة ليست مخالفة لطريقة أهل العلم وحسب، بل هي بلا شك من التلاعب في دين الله وافتراء الكذب على الله سبحانه، إذ هو تحريف للكلم عن مواضعه، وتعد لحدود الله التي حدها ووضع كلامه عليها، وتدليس وتلبيس .. (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ) [النحل: 116] .

وكذلك يفعلون بالنصوص التي تروى عن الأئمة، فيقطعون كلامهم [10] ، أو يأخذون منها ما يوافق أهواءهم، ونحن وإن كنا نعتقد بأنه لا حجة في الدين بغير كلام الله ورسوله صلى الله عليه وسلم، إلا أنه من الإنصاف أن لا يحمّل كلام أحد ما لا يحتمله، وأن يحمل المطلق من عباراتهم على المقيد منها في المسألة الواحدة، لا كما يفعله هؤلاء الضُلاّل من ذكر ما يوافق مذاهبهم الفاسدة وطرح ما لا يوافقها أو التكتم عليه .. وهذا مناقض للأمانة. وليس هو من طريقة السلف وأهل الحديث، بل هذا منهج أهل الأهواء الذين من أخبثهم المرجئة .. فأهل الأهواء يروون ما لهم فقط، وأما أهل الحديث فيروون ما لهم وما عليهم ..

ومن أمثلة هذا مما قد يتعلق به هؤلاء في موضعنا هذا مما ينسب للإمام أحمد أنه اتبع الزهري في قوله: "كانوا يرون الإسلام الكلمة، والإيمان العمل" ليحكموا بالإسلام على من اكتفى بالشهادتين وإن لم يلتزم الأعمال والفرائض دهره .. ثم يخلصون منه إلى إسلام من تلفظ بهما وإن جاء بقراب الدنيا من النواقض .. ليصلوا في النهاية إلى الترقيع لطواغيتهم والحكم بإسلامهم، وما يلزم من ذلك من موالاة وعصم للدماء والأموال، فيساهمون بهدم الدين وطمس أوثق عراه ومحو آثاره ومعالمه الأصيلة .. شعروا أو من حيث لا يشعرون.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت