شبهة أن الطواغيت وعبيدهم (يصلّون)
] الإجابة للشيخ أبي محمد المقدسي - فك الله أسره - في كتابه (إمتاع النظر في كشف شبهات مرجئة العصر) [
ومما تقدم يظهر لك بطلان شبهة أخرى من شبهاتهم، ألا وهي احتجاجهم بأن بعض هؤلاء الطواغيت وعبيدهم (يصلون) .. ويذكرون نصوصًا تذكر فيها الصلاة كعاصم للدم، فيظنون أنها وحدها العاصم، وأن كل من صلى كان مسلمًا معصوم الدم والمال وإن اقترف من نواقض الإسلام ما اقترف. أليس يصلي؟؟
وقد علمت أن مثل هذه النصوص تجمع مع مبيناتها من النصوص الأخرى فيحملها السلف على المصلين الملتزمين للتوحيد المجتنبين للشرك والتنديد وغيره من نواقض الإسلام ولو ظاهرًا ..
ولم يفهم أحد من السلف أن أمثال هؤلاء الذين قيلت فيهم تلك الأحاديث، كانوا مسلمين معصومين بالصلاة وحدها، مع تحاكمهم للطاغوت ونصرته واتباعه مثلًا .. أو مع الطعن في دين الله، أو الاستهزاء بشرائعه .. ونحوه من النواقض .. وقد تقدم قول الله تعالى: (لا تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ) [التوبة: 66] ، فإنها نزلت في أناس مظهرين للإسلام والصلاة بل والجهاد - فقد كانوا خارجين مع النبي صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك - فكفّرهم الله رغم ذلك كله لما أتوا بناقض من نواقض الإسلام .. وقد قدمنا لك من أمثال هذا كثير مما يدل على بطلان هذا الفهم السقيم .. وأكثر هؤلاء الذين يسيئون فهم هذه النصوص أو يلوون أعناقها، تجدهم يكفرون تارك الصلاة ويحكمون عليه بحكم المرتد فيبطلون نكاحه ويبينون عنه زوجته المسلمة ويمنعون إرثه من أهله المسلمين ونحو ذلك من لوازم الردة .. ويترددون في الوقت نفسه في تكفير طواغيت المشرعين وعبيدهم، مع أن سلب الإسلام والإيمان عن تارك الكفر بالطاغوت، أولى من سلبه عن تارك الصلاة .. لأن الكفر بالطاغوت فرض يوم أن فرض، ولم يكن ثم صلاة ولا زكاة ولا غيرها .. فكان في وقت من الأوقات وحده مع الإيمان بالله والإقرار بأن محمدًا رسول الله صلى الله عليه وسلم عاصمًا للدم وعلامة على الإسلام والإيمان إلى حين .. كما تقدم .. ولأن الصلاة بعد فرضها أيضًا لم تصح ولا تصح أبدًا إلا بتحقيق ذلك الركن العظيم وهذا معلوم بإجماع المسلمين .. فلا يسمى تارك الكفر بالطاغوت مسلمًا ولا مؤمنًا وإن كان معه شعبة أو شعب من الإسلام والإيمان، الصلاة وغيرها، حتى يحقق التوحيد ويكفر بالطواغيت .. بل لو جاء بجميع الشعب الإيمانية لم تنفعه ما دام قد ترك أعلى هذه الشعب وشرط صحتها كلها ..
فمن هذا تعلم بطلان احتجاجهم للطواغيت المصلين!! بهذه الأحاديث كالحديث الذي يرويه مسلم عن أم سلمة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف برىء ومن أنكر سلم، ولكن من رضي وتابع" قالوا: أفلا نقاتلهم؟ قال: "لا ما صلّوا" فأصل السؤال حول الخروج على أئمة الجور .. ومرجئة العصر تدور أعينهم من الخوف عند ذكر ذلك، ويعدونه من الفتنة وفكر الخوارج!! وإن كان في أئمة الكفر ..
فذكر الصلاة هاهنا كما ذكر أهل العلم إشارة إلى إقامة الدين والتوحيد، بدليل ما تقدم من أن الصلاة لا تغني مع نقض أصل التوحيد شيئًا .. فقد يكون الرجل مصليًا مزكيًا ومجاهدًا ومع هذا يكفر ويحل ماله ودمه بمجرد وقوعه بناقض من نواقض "لا إله إلا الله"، ولذا قال النووي فيه: "وأما قوله: "أفلا نقاتلهم؟ " قال: "لا ما صلوا" ففيه معنى ما سبق أنه لا يجوز الخروج على الخلفاء بمجرد الظلم والفسق ما لم يغيروا شيئًا من قواعد الإسلام" اهـ.