وسئل محمد بن عوف: هل سمع شريح بن عبيد من أبي الدرداء؟ فقال: لا. قيل له: فسمع من أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما أظن ذلك، وذلك أنه لا يقول في شيء من ذلك سمعت وهو ثقة.
وقد جزم ابو حاتم الرازي أن شريح لم يدرك أبا أمامة ولا الحارث بن الحارث ولا المقدام , وأن روايته عن أبي مالك الأشعري مرسلة.
وأبو أمامة توفي سنة 86 هـ والمقدام بن معد يكرب توفي سنة 87 هـ فكيف يدرك عياض بن غنم الذي توفي سنة 20 هـ.
فقول الألباني في تخريجه للسنة لابن أبي عاصم: (أن إسناده صحيح ورجاله ثقات) ، غير صحيح، إذ أن رجاله الذين في السنة لابن أبي عاصم فيهم بقية بن الوليد، والقول فيه معروف، والإسناد منقطع غير صالح.
وعند ابن أبي عاصم ذكرٌ للواسطة التي بين شريح وحادثة عياض رضي الله عنه، قال: حدثنا محمد بن عوف قال: حدثنا محمد بن اسماعيل - ابن عياش - قال: حدثنا أبي عن ضمضم بن زرعة عن شريح بن عبيد قال: قال جبير بن نفير قال: قال عياض بن غنم لهشام بن حكيم ... الحديث.
وهذا إسناد ضعيف جدًا وفيه علل:
1)محمد بن اسماعيل بن عياش:
قال أبو داود: لم يكن بذاك.
وقال أبو حاتم: لم يسمع من أبيه شيئًا.
وقال ابن حجر: عابوا عليه أنه حدث عن أبيه بغير سماع.
فتصريحه بالسماع لا ينفعه بدفع الانقطاع مع ضعفه كما حكم عليه أبو داود، فهو ضعيف مدلس.
2)اسماعيل بن عياش: ضعيف عن غير أهل بلده وهنا روى عن أهل بلده. فبرئ من العهدة.
3)ضمضم بن زرعة:
قال يحيى بن معين: ثقة.
وذكره ابن حبان في الثقات.
وقال ابن حجر: صدوق يهم.
وقال أبو حاتم: ضعيف.
ومعلوم شدة أحكام أبي حاتم في الرجال، والأقرب في الحكم على ضمضم - إن شاء الله - أنه صدوق , فبقيت العهدة على محمد بن إسماعيل, وقد خالف الثقات في هذا الحديث بذكر جُبير بن نفُير بين شريح وحادثة عياض، فهي رواية منكرة شاذة - لا فرق بين المصطلحين على طريقة الأوائل بخلاف المتأخرين -
أما الإسناد الثاني:
فقد رواه ابن أبي عاصم والحاكم والطبراني كلهم من طريق الفضيل بن فضالة يرده إلى ابن عائذ يرده ابن عائذ إلى جبير بن نفير عن عياض بن غنم ... الحديث.
وهذا في الحقيقة ليس بسند آخر على طريقة المتأخرين، وهو سند واه ٍ جدًا، فالفضيل بن فضالة قال عنه ابن حجر: مقبول - إذا تُوبعَ وإلا فَلَينٌ - أرسل شيئًا.
وابن عائذ هو الثمالي، قال الذهبي: ضعفه الأزدي ووثقه النسائي وهو يرسل كثيرًا.
قلت: القول قول النسائي إذا اختلف مع الأزدي لاشتهار الثاني بالتشدد والتعنت.
قال ابن أبي حاتم: أحاديثه مراسيل.
علق الذهبي على هذا القول قائلًا: كعوائد الشاميين وإنما اعتنوا بالإسناد لما سكن فيها الزهري ونحوه.
ومما يؤسف له أن الألباني في بعض المواطن في الصحيحة أنكر هذا الحكم على الشاميين ولم يفهمه على وجهه ورده على أبي حاتم، ولولا أن الصحيحة تحت يدي الآن لذكرت شواهد هذا القول.
قلت: وابن عائذ هنا لم يصرح بالسماع فالسند ضعيف لعلتين:
1)الانقطاع بين الفضيل وابن عائذ.
2)الانقطاع بين ابن عائذ وجبير بن نفير.
فالحديث ضعيف لاتفاق الأسانيد كلها على موطن الضعف، وفي مثل هذه الصورة لا يصلح الواحد شاهدًا للآخر.
وهذا يثبت خطأ الألباني في تعليقه على السنة حيث قال عن الإسناد الثاني في الموطن الأول؛ أنه ضعيف، لكنه يتقوى بالطريق التي قبله والأخرى الآتية، إذ جعل هذه الأسانيد الثلاثة مختلفة مع أنها متحدة في موطن الضعف.
ومما يشهد لضعف هذا الحديث وأنه مخالف للإسناد الصحيح الذي روي فيه أن الإمام مسلم روى هذا الحديث وهو قوله صلى الله عليه وسلم: (إن الله يعذب الذين يعذبون في الدنيا) ، بغير هذه الزيادة.