فهرس الكتاب

الصفحة 722 من 743

وقد أجابَ الإسلايوميُّون عن هذا من وجوه، فالوجه الأوَّل ذكروا فيه مسألتين، العهد وقد تقدَّم الكلام عليه في السُّؤال الأوَّل مفصّلًا، ودار الإسلام، والجواب على استدلالهم بكون الدار دار إسلام من وجوه:

الأوَّل: أنَّ هذا موجبٌ أشدُّ لقتال الكُفَّار، جيوشهم واستخباراتهم وأفرادهم، فإنَّ كونهم في دار إسلامٍ (عدوانًا كما قُرِّر) من أشدِّ ما يُوجبُ قتالَهم ويؤكِّدُهُ، ولا دليل على منع بيات المشركين في دار الإسلام.

الثَّاني: أنَّهم إن أرادوا بدار الإسلام الدار التي حاكمها مسلم، فهذه الدار حاكمها مرتدٌّ، وعلى التنزُّل بإسلامه، فليس منع البيات مناطه إسلام الحاكم وكفره، بدليل أنَّ الكُفَّار لو استولوا على دار من ديار الإسلام لم يسقط حكم الحاكم المسلم عنها، مع جواز بيات الكفّار المعتدين فيها، فلو أنَّ جيشًا أمريكيًّا غزا بلاد الحرمين، وأقام قاعدةً في نجدٍ لم يمنع أحدٌ منكم بياتَها مع أنَّ الدار دار إسلامٍ حتّى حاكمُها عندكم.

الثالث: إن أرادوا بدار الإسلام الدار التي تجري عليها أحكامه، فهذه المجمّعات بالاتّفاق لا تجري عليها أحكام الإسلام، بلى إنَّ من أحكام الإسلام التي جرت عليها ما فعله الأبطال من تفجيرها.

الرابع: إن أرادوا بدار الإسلام الدار التي يغلب على أهلها الإسلام فهذه المجمّعات بالاتّفاق أيضًا غالبُ من فيها كُفَّار، ولم يذكروا من قتلى المسلمين فيها غير اثنين في مقابلة مئاتٍ من الأمريكان.

وأمَّا قولهم: "وحتى لو فرض غلط المسلمين بعقد الأمان لهم، فإن الذمة لهم باقية وذمة المسلمين واحدة" فمن اللّغو العجيب، فإن أرادوا بالذِّمَّة معناها الخاصَّ، فلا وجود لها في هذا العصر، وإن أرادوا عموم عصمة الدماء، فالعقد الباطل لا تجري أحكامه شرعًا وإلاَّ لم يكن بينه وبين الصحيح فرقٌ، وتبقى شبهة الأمان والعهد، وقد تقدّمت الإشارة إليها في آخر السؤال الأوَّل.

وأمَّا الوجه الثَّاني: فقد جعلوا الأصل منع التبييت إلاَّ للحاجة، ولم يسبقهم أحد بذلك، واستدلُّوا بتحريم دماء النساء والأطفال والشيوخ، مع أنَّهم نقلوا في الوجه نفسه كلام الشافعيّ الذي يستدلُّ به بأحكم استدلال يكون، على جواز التبييت، وجواز قتل الشيوخ والأطفال فيه وليس النّهي إلاَّ "عن قصد قتلهم بأعيانهم إذا عرف مكانهم" على أنَّّ هذا الشَّرط لو سُلِّم باشتراطه موجود في هذه المجمّعات فإنَّها محميَّة لا يمكن إفراد الرجال منها بالقتل، بل هي كحصون المشركين التي يجوز ضربها بالمنجنيق وغيره.

وذكروا في علة عدم تبييت النبي صلى الله عليه وسلم اليهود في حصونهم وقتالهم بأنَّه قد قدر عليهم بغير التبييت، فهل يظنُّون أنَّ الصليبيين في هذه المجمّعات مقدور عليهم بمثل ما فعل النبي صلى الله عليه وسلم، حين استسلموا ونزلوا على حكمه؟ أم لا يريدون بهذا إلا المغالطة والتشغيب؟ على أنَّ للمجاهدين أن يختاروا في كل قتال ما يرونه أوفق وأنكى في العدوِّ، فمتى رأوا تبييت العدوِّ وهو غارٌّ فعلوه، ومتى رأوا حصارهم وقتالهم فعلوا ذلك، ولا أحد يُكلِّف نفسه أن يُقاتل العدوّ وقد استسلم ونزل على حكمه الذي يحكمه فيه من قتلٍ وسبيٍ، ولكن هل يفعل الأمريكان هذا اليوم؟

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت