الثَّالِثَةُ- أَصَحُّ هَذِهِ الْأَقْوَالِ] وَأَبْيَنُهَا «1» [وَأَشْهَرُهَا أَنَّهُمْ خَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الْوَبَاءِ، رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَرَجُوا فِرَارًا مِنَ الطَّاعُونِ فَمَاتُوا، فَدَعَا اللَّهَ نَبِيٌّ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يُحْيِيَهُمْ حَتَّى يَعْبُدُوهُ فَأَحْيَاهُمُ اللَّهُ. وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: وَقَعَ الطَّاعُونُ فِي قَرْيَتِهِمْ فَخَرَجَ أُنَاسٌ وَبَقِيَ أُنَاسٌ، وَمَنْ خَرَجَ أَكْثَرُ مِمَّنْ بَقِيَ، قَالَ: فَنَجَا الَّذِينَ خَرَجُوا وَمَاتَ الَّذِينَ أَقَامُوا، فَلَمَّا كَانَتِ الثَّانِيَةُ خَرَجُوا بِأَجْمَعِهِمْ إِلَّا قَلِيلًا فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ وَدَوَابَّهُمْ، ثُمَّ أَحْيَاهُمْ فَرَجَعُوا إِلَى بِلَادِهِمْ وَقَدْ تَوَالَدَتْ ذُرِّيَّتُهُمْ. وَقَالَ الْحَسَنُ: خَرَجُوا حَذَارًا مِنَ الطَّاعُونِ فَأَمَاتَهُمُ اللَّهُ وَدَوَابَّهُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهُمْ أَرْبَعُونَ أَلْفًا. قُلْتُ: وَعَلَى هَذَا تَتَرَتَّبُ الْأَحْكَامُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. فَرَوَى الْأَئِمَّةُ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّهُ سَمِعَ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ يُحَدِّثُ سَعْدًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الْوَجَعَ «2» فَقَالَ"رِجْزٌ أَوْ عَذَابٌ عُذِّبَ بِهِ بَعْضُ الْأُمَمِ ثُمَّ بَقِيَ مِنْهُ بَقِيَّةٌ فَيَذْهَبُ الْمَرَّةَ وَيَأْتِي الْأُخْرَى فَمَنْ سَمِعَ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا يَقْدَمَنَّ عَلَيْهِ وَمَنْ كَانَ بِأَرْضٍ وَقَعَ بِهَا فَلَا يَخْرُجُ فِرَارًا مِنْهُ"وَأَخْرَجَهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ فَقَالَ: حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ أَنْبَأَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عمرو ابن دِينَارٍ عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الطَّاعُونَ فَقَالَ:"بَقِيَّةُ رِجْزٍ أَوْ عَذَابٍ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ فَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَلَسْتُمْ بِهَا فَلَا تَهْبِطُوا عَلَيْهَا"قَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ. وَبِمُقْتَضَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَمِلَ عُمَرُ وَالصَّحَابَةُ رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَمَّا رَجَعُوا مِنْ سَرْغَ «3» حِينَ أَخْبَرَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بِالْحَدِيثِ، عَلَى مَا هُوَ مَشْهُورٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ الْفِرَارَ مِنَ الْوَبَاءِ وَالْأَرْضِ السَّقِيمَةِ، رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ: الْفِرَارُ مِنَ الْوَبَاءِ كَالْفِرَارِ مِنَ الزَّحْفِ. وَقِصَّةُ عُمَرَ فِي خُرُوجِهِ إِلَى الشَّامِ مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْرُوفَةٌ، وَفِيهَا: أَنَّهُ رَجَعَ. وَقَالَ الطَّبَرِيُّ: فِي حَدِيثِ سَعْدٍ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْءِ تَوَقِّي الْمَكَارِهِ قَبْلَ نُزُولِهَا، وَتَجَنُّبَ الْأَشْيَاءِ الْمَخُوفَةِ قَبْلَ هُجُومِهَا، وَأَنَّ عَلَيْهِ الصَّبْرَ وَتَرْكَ الجزع بعد نزولها، وذلك أنه عليه
(1) . من ز.
(2) . ورد الحديث في البخاري في كتاب الطب بلفظ الطاعون وفى كتاب الحيل بالوجع.
(3) . سرغ: قرية بوادي تبوك من طريق الشام وهى على ثلاث عشرة مرحلة من المدينة.