فهرس الكتاب

الصفحة 3990 من 7453

طَرِيقًا إِلَى الْوُصُولِ إِلَيْهِ لِيُزِيلُوا مُلْكَهُ، لِأَنَّهُمْ شُرَكَاؤُهُ. وَقَالَ قَتَادَةُ: الْمَعْنَى إِذًا لَابْتَغَتِ الْآلِهَةُ الْقُرْبَةَ إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلًا، وَالْتَمَسَتِ الزُّلْفَةَ عِنْدَهُ لِأَنَّهُمْ دُونَهُ، وَالْقَوْمُ اعْتَقَدُوا أَنَّ الْأَصْنَامَ تُقَرِّبُهُمْ إِلَى اللَّهِ زُلْفَى، فَإِذَا اعْتَقَدُوا فِي الْأَصْنَامِ أَنَّهَا مُحْتَاجَةٌ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَقَدْ بَطَلَ أَنَّهَا آلِهَةٌ. (سُبْحانَهُ وَتَعالى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا) نَزَّهَ سُبْحَانَهُ نَفْسَهُ وَقَدْسَهُ وَمَجْدَهُ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ. وَالتَّسْبِيحُ: التَّنْزِيهُ. وقد تقدم «1» .

[سورة الإسراء(17): آية 44]

تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ إِنَّهُ كانَ حَلِيمًا غَفُورًا (44)

قَوْلُهُ تَعَالَى: (تُسَبِّحُ لَهُ السَّماواتُ السَّبْعُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ) أعاد على السموات وَالْأَرْضِ ضَمِيرَ مَنْ يَعْقِلُ، لَمَّا أَسْنَدَ إِلَيْهَا فعل العاقل وهو التسبيح. وقوله:"وَمَنْ فِيهِنَّ"يُرِيدُ الْمَلَائِكَةَ وَالْإِنْسَ وَالْجِنَّ، ثُمَّ عَمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَشْيَاءَ كُلَّهَا فِي قَوْلِهِ:"وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ". وَاخْتُلِفَ فِي هَذَا الْعُمُومِ، هَلْ هُوَ مُخَصَّصٌ أَمْ لَا، فَقَالَتْ فِرْقَةٌ: لَيْسَ مَخْصُوصًا وَالْمُرَادُ بِهِ تَسْبِيحُ الدَّلَالَةِ، وَكُلُّ مُحْدَثٍ يَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَالِقٌ قَادِرٌ. وَقَالَتْ طائفة: هذا التسبيح حقيقة، وكل شي عَلَى الْعُمُومِ يُسَبِّحُ تَسْبِيحًا لَا يَسْمَعُهُ الْبَشَرُ وَلَا يَفْقَهُهُ، وَلَوْ كَانَ مَا قَالَهُ الْأَوَّلُونَ مِنْ أَنَّهُ أَثَرُ الصَّنْعَةِ وَالدَّلَالَةِ لَكَانَ أَمْرًا مَفْهُومًا، وَالْآيَةُ تَنْطِقُ بِأَنَّ هَذَا التَّسْبِيحَ لَا يُفْقَهُ. وَأُجِيبُوا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ:"لَا تَفْقَهُونَ"الْكُفَّارُ الَّذِينَ يُعْرِضُونَ عَنْ الِاعْتِبَارِ فَلَا يَفْقَهُونَ حِكْمَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي الْأَشْيَاءِ. وَقَالَتْ فِرْقَةٌ: قَوْلُهُ"مِنْ شَيْءٍ"عُمُومٌ، وَمَعْنَاهُ الْخُصُوصُ فِي كُلِّ حَيٍّ وَنَامٍ، وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي الْجَمَادَاتِ. وَمِنْ هَذَا قَوْلُ عِكْرِمَةَ: الشَّجَرَةُ تُسَبِّحُ وَالْأُسْطُوانُ لَا يُسَبِّحُ. وَقَالَ يَزِيدُ الرَّقَاشِيُّ لِلْحَسَنِ وَهُمَا فِي طَعَامٍ وَقَدْ قُدِّمَ الْخِوَانُ: أَيُسَبِّحُ هَذَا الْخِوَانُ يَا أَبَا سَعِيدٍ؟ فَقَالَ: قَدْ كَانَ يُسَبِّحُ مَرَّةً، يُرِيدُ أَنَّ الشَّجَرَةَ فِي زَمَنِ ثَمَرِهَا وَاعْتِدَالِهَا كَانَتْ تُسَبِّحُ، وَأَمَّا الْآنَ فقد صار خوانا مدهونا.

(1) . راجع ج 1 ص 276.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت