عَلَيْهِ السَّلَامُ. وَهَذِهِ قِرَاءَةُ أَبِي عَمْرٍو وَالْكِسَائِيِّ وَأَهْلِ الْحَرَمَيْنِ. (أَنْ تَتَّخِذُوا) أَيْ بِأَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَابًا. وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي النَّصَارَى يُعَظِّمُونَ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمَلَائِكَةَ حَتَّى يَجْعَلُوهُمْ لَهُمْ أَرْبَابًا. (أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) عَلَى طَرِيقِ الْإِنْكَارِ وَالتَّعَجُّبِ، فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يَتَّخِذُوا النَّاسَ عُبَّادًا يَتَأَلَّهُونَ لَهُمْ وَلَكِنْ أَلْزَمَ الْخَلْقَ حُرْمَتَهُمْ. وَقَدْ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: (لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ عَبْدِي وَأَمَتِي وَلْيَقُلْ فَتَايَ وَفَتَاتِي وَلَا يَقُلْ أَحَدَكُمْ رَبِّي وَلْيَقُلْ سَيِّدِي) . وفي التنزيل"اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ" [يوسف: 42] . وَهُنَاكَ «1» يَأْتِي بَيَانُ هَذَا [الْمَعْنَى] «2» إِنْ شَاءَ اللَّهُ تعالى.
وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ (81)
قِيلَ: أَخَذَ اللَّهُ تَعَالَى مِيثَاقَ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يُصَدِّقَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَيَأْمُرَ بَعْضُهُمْ بِالْإِيمَانِ بَعْضًا، فَذَلِكَ مَعْنَى النُّصْرَةِ بِالتَّصْدِيقِ. وَهَذَا قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَتَادَةَ وَطَاوُسٍ وَالسُّدِّيِّ وَالْحَسَنِ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ. قَالَ طَاوُسٌ: أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الْأَوَّلِ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَنْ يُؤْمِنَ بِمَا جَاءَ بِهِ الْآخِرِ. وَقَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ"وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ" [آل عمران: 187] . قَالَ الْكِسَائِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ"وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ"بِمَعْنَى وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ مَعَ النَّبِيِّينَ. وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ: إِذَا أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ فَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَ الَّذِينَ مَعَهُمْ، لِأَنَّهُمْ قَدِ اتَّبَعُوهُمْ وَصَدَّقُوهُمْ. وَ"مَا"فِي قَوْلِهِ"لَما"بِمَعْنَى الَّذِي. قَالَ سيبويه: سألت الخليل ابن أَحْمَدَ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ:"وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ"فَقَالَ: لَما بِمَعْنَى الَّذِي. قَالَ النَّحَّاسُ: التَّقْدِيرُ عَلَى قَوْلِ الْخَلِيلِ لَلَّذِي آتَيْتُكُمُوهُ، ثُمَّ حذف
(1) . راجع ج 9 ص 105.
(2) . الزيادة من د، ب.